مجزرة النساء في سوريا: 35 ضحية وسط غياب العدالة وفوضى السلاح

تتعرض سوريا لموجة دموية غير مسبوقة تستهدف النساء، حيث تحولت حيواتهن إلى أرقام في سجلات القتلى بظل استمرار تداعيات الحرب المستعرة منذ عام 2011، وانتشار السلاح العشوائي، وانهيار كامل في منظومات الحماية القانونية والاجتماعية التي كان يُفترض بها صون الأرواح. وتشير الأرقام الموثقة إلى مقتل 35 امرأة منذ بداية عام 2026 وحتى يونيو الحالي، في مشهد يكشف عن اتساع رقعة العنف الذي لم يعد يفرق بين النزاعات الجنائية أو الأسريّة أو حتى الأمنية، مما يعكس واقعاً مأساوياً يطارد السوريات داخل منازلهن وفي محيطهن الجغرافي.
يكشف المرصد السوري لحقوق الإنسان عن جانب مظلم من هذه الحوادث، إذ يندرج جزء منها تحت مسمى “جرائم الشرف”، وهو غطاء اجتماعي يستخدمه الجناة لتبرير وحشيتهم، مما يجعل هذه الملفات الأكثر تعقيداً في التوثيق والمساءلة، خاصة في ظل ضعف الردع القانوني الذي يترك الباب مفتوحاً أمام تكرار هذه التجاوزات. وتتصدر مدينة حلب قائمة المناطق الأكثر دموية، حيث شهدت وحدها 9 جرائم أسفرت عن مقتل 11 امرأة، تراوحت بين عمليات تصفية داخل المنازل أو ضحايا لإطلاق نار عشوائي، وهو ما يعيد تسليط الضوء على معاناة المدينة التي لا تزال تئن تحت وطأة آثار الصراع الطويل.
أما في ريف دمشق، فقد سُجلت 4 جرائم مروعة راح ضحيتها 5 نساء، معظمها وقع في سياق خلافات زوجية وأسرية، مما يشير إلى تصاعد وتيرة العنف المنزلي الذي تحول إلى سلوك قاتل، بعيداً عن أي رقابة اجتماعية أو تدخل لحماية الضحايا. وفي المحافظات الأخرى، لا تزال إدلب وحماة ودمشق والسويداء واللاذقية وحمص تشهد حوادث متفرقة، حيث أصبحت ظاهرة العثور على جثث نساء في ظروف غامضة أمراً يبعث الرعب في نفوس السكان، خاصة في إدلب وحماة اللتين سجلتا حالات تقشعر لها الأبدان نتيجة الغموض الذي يكتنف ملابسات الجريمة وتغيب الحقيقة عنها.
وفي مناطق الرقة ودير الزور، يتفاقم الوضع بسبب تغلغل السلاح بين أيدي المدنيين، مما جعل النزاعات الاجتماعية والقبلية تتحول فوراً إلى حوادث إطلاق نار داخل البيوت أو في محيطها، مما أسفر عن سقوط مزيد من النساء ضحايا لهذه النزوات المسلحة. وفي المقابل، ورغم أن أعداد الضحايا في السويداء واللاذقية وحمص تبدو أقل نسبياً، إلا أن طبيعة العنف فيها تعكس ذات الهشاشة الأمنية والاجتماعية، حيث تظل الخلافات الأسرية والظروف غير المستقرة محركاً أساسياً لإنهاء حياة النساء بدم بارد.
إن هذه المعطيات لا تمثل مجرد أرقام إحصائية، بل هي مؤشر خطير على تلاشي الشعور بالأمان في البيئات التي كان يُفترض أن تكون الملاذ الأخير للنساء، مع بطء شديد في إجراءات التقاضي والوصول إلى العدالة في العديد من القضايا، مما يشجع الجناة على الإفلات من العقاب. وتجدر الإشارة إلى أن معاناة النساء السوريات ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسنوات النزاع التي بدأت في عام 2011، حيث دفعت النساء الثمن الأغلى عبر القتل المباشر في العمليات العسكرية، والقصف، والتفجيرات، فضلاً عن ويلات الاعتقال والاختفاء القسري التي مزقت نسيج الأسرة السورية وتركت آثاراً نفسية واجتماعية لا تزال تنزف حتى اليوم.
إن استمرار هذا المسلسل الدموي دون رادع حقيقي يضع المجتمع السوري أمام واقع مرير ومستقبل قاتم، حيث باتت المرأة السورية الحلقة الأضعف في سلسلة النزاعات المتشابكة، وسط مطالبات بضرورة تفعيل حماية دولية ومجتمعية عاجلة توقف هذا النزيف وتضع حداً لهذا الانفلات الذي يهدد ما تبقى من كيان الأسرة السورية، فالتاريخ لن يرحم صمت الجهات المعنية تجاه مقتل 35 روحاً في أقل من 6 أشهر.





