مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: من عاصمة “الكبتاغون” إلى ملاحقة شبكات التهريب.. هل بدأت سوريا طي صفحة اقتصاد المخدرات؟

لم يكن الكبتاغون مجرد سلعة غير مشروعة في سوريا خلال السنوات الماضية، بل تحول إلى أحد أبرز ملامح الاقتصاد الموازي الذي نشأ في ظل الحرب والعقوبات وانهيار مؤسسات الدولة. وخلال العقد الأخير، ارتبط اسم سوريا دوليًا بإنتاج وتصدير هذه المادة المخدرة، حتى باتت توصف في تقارير دولية بأنها المصدر الأكبر للكبتاغون في العالم.

وتشير تقديرات بريطانية ودولية إلى أن ما يقارب 80% من الإنتاج العالمي للكبتاغون كان مرتبطًا بشبكات تعمل انطلاقًا من الأراضي السورية، فيما قدرت تقارير اقتصادية حجم هذه التجارة بمليارات الدولارات سنويًا، لتصبح أحد أهم مصادر التمويل غير الرسمي خلال سنوات الصراع.

لكن المشهد بدأ يشهد تحولًا ملحوظًا منذ تغيير السلطة في دمشق أواخر عام 2024.

فبحسب إدارة مكافحة المخدرات السورية، تمكنت السلطات خلال الأشهر الماضية من ضبط نحو 320 مليون حبة كبتاغون، إلى جانب تفكيك 13 مستودعًا لتصنيع وتخزين المخدرات، ومصادرة 121 طنًا من المواد الأولية المستخدمة في إنتاجها، إضافة إلى أكثر من 1.8 طن من الحشيش وكميات أخرى من المواد المخدرة.

ورغم أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة انتهاء تجارة الكبتاغون، فإنها تعكس تحولًا في سياسة الدولة تجاه هذا الملف. فبعد سنوات اتُهم خلالها النظام السابق برعاية شبكات الإنتاج والتهريب، أصبحت السلطات الجديدة تعلن أن مكافحة هذه التجارة تمثل أولوية أمنية، بالتوازي مع تعزيز التعاون مع دول الجوار، ولا سيما دول الخليج التي كانت الوجهة الرئيسية لعمليات التهريب.

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة إذا ما وُضعت في سياق العلاقات الإقليمية. فقد كان ملف الكبتاغون أحد أبرز الملفات الخلافية بين دمشق والعواصم العربية، وتحول إلى قضية أمن قومي بالنسبة لدول الخليج، التي ضبطت خلال السنوات الماضية مئات الملايين من الحبوب المخدرة في محاولات تهريب متعددة.

غير أن النجاح في تنفيذ حملات الضبط والمصادرة لا يكفي وحده للحكم على نهاية اقتصاد المخدرات في سوريا. فشبكات الإنتاج والتهريب التي تشكلت على مدار أكثر من عقد تمتلك خبرات ومسارات إقليمية معقدة، كما أن الظروف الاقتصادية الصعبة قد تدفع بعض الفاعلين إلى إعادة تنظيم نشاطهم بطرق مختلفة.

ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل مكافحة المخدرات من حملات أمنية مؤقتة إلى سياسة مؤسسية مستدامة، تشمل إصلاح الأجهزة المختصة، وتعزيز الرقابة على الحدود، وتجفيف مصادر التمويل، والتعاون الاستخباراتي مع الدول المجاورة.

ومع ذلك، فإن المقارنة بين المشهدين تبدو لافتة؛ فمن دولة ارتبط اسمها دوليًا بتصدير الكبتاغون، إلى دولة تعلن عن تفكيك معامل الإنتاج وملاحقة شبكات التهريب، يبرز تحول سياسي وأمني يستحق المتابعة. وقد لا يكون هذا التحول كافيًا للحكم على نهاية الظاهرة، لكنه يمثل، بلا شك، نقطة فاصلة في التعامل مع أحد أكثر الملفات التي أثرت في صورة سوريا الإقليمية خلال السنوات الماضية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى