د. أيمن نور يكتب: القاهرة تختنق… والنقل الذكي جزء من الحل. مصر الممكنة 2030 (27) النقل في مصر الممكنة (4)

قبل سنوات طويلة كانت مشكلة المرور في القاهرة تُقاس بعدد السيارات وحجم الطرق المتاحة. أما اليوم فقد أصبحت القضية أكثر تعقيدًا بكثير. فالقاهرة الكبرى تحولت إلى واحدة من أكبر التجمعات السكانية في العالم، وأصبح الانتقال بين نقطتين داخل المدينة يستهلك أحيانًا من الوقت والجهد والطاقة ما كان يكفي قبل عقود لقطع مسافات بين محافظات كاملة.
ولم يعد السؤال: كيف نبني طريقًا جديدًا؟
بل أصبح: كيف ندير الحركة داخل مدينة يتجاوز حجمها وقدراتها التقليدية؟
خلال سنوات العمل العام، ومن خلال لقاءات عديدة مع خبراء تخطيط ونقل واقتصاد عمراني داخل مصر وخارجها، ترسخت لدي قناعة بأن أزمة المرور في مصر ليست أزمة طرق فقط.
فلو كانت الطرق وحدها هي الحل لاختفت المشكلة منذ زمن.
الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يتعلق بالإدارة أكثر مما يتعلق بالبناء.
ويتعلق بالتخطيط أكثر مما يتعلق بالأسفلت.
ويتعلق بكفاءة استخدام الشبكات القائمة أكثر مما يتعلق بعدد الكيلومترات الجديدة.
أنفقت الدولة خلال السنوات الأخيرة مليارات الجنيهات على إنشاء محاور وكباري وطرق جديدة. وبعض هذه المشروعات حقق بالفعل تحسنًا في مناطق معينة وخفف اختناقات مرورية كانت مزمنة لعقود.
لكن التجارب العالمية تؤكد أن بناء الطرق وحده لا يكفي.
فالطرق الجديدة تمتلئ هي الأخرى بعد سنوات قليلة إذا لم تتغير منظومة الإدارة والحركة والنقل الجماعي.
وهو ما عرفه خبراء النقل عالميًا باسم “الطلب المستحدث”، أي أن الطريق الجديد يجذب مزيدًا من السيارات حتى يعود الزحام تدريجيًا بصورة مختلفة.
لهذا السبب اتجهت مدن كبرى مثل لندن وسنغافورة وستوكهولم وسيول إلى مفهوم جديد يقوم على الإدارة الذكية للحركة المرورية.
لم يعد الهدف فقط إنشاء طرق جديدة.
بل استخدام التكنولوجيا والبيانات والمعلومات لتحسين الاستفادة من البنية القائمة.
فكل دقيقة يتم توفيرها لملايين المواطنين تمثل قيمة اقتصادية حقيقية.
في سنغافورة مثلًا لا تكتفي السلطات بإدارة الإشارات المرورية، بل تراقب حركة المركبات لحظة بلحظة، وتستخدم البيانات الضخمة للتنبؤ بالاختناقات قبل حدوثها، وتعدل السياسات المرورية بصورة مستمرة وفقًا للمتغيرات.
وفي لندن أصبحت إدارة الحركة جزءًا من استراتيجية اقتصادية وبيئية متكاملة، لا مجرد مهمة فنية تقوم بها إدارة المرور.
القاهرة في حاجة إلى هذا النوع من التفكير.
فالمشكلة ليست أن المدينة تفتقر إلى الطرق فقط.
بل إنها تفتقر أحيانًا إلى المعلومات الدقيقة التي تسمح بإدارة هذه الطرق بأعلى كفاءة ممكنة.
وهو ما يجعل النقل الذكي أحد أهم الملفات التي يجب أن تحظى بالأولوية خلال السنوات المقبلة.
المقصود بالنقل الذكي لا يقتصر على التطبيقات الإلكترونية أو الخرائط الرقمية كما يتصور البعض.
بل هو منظومة متكاملة تشمل إدارة الإشارات المرورية، وربط وسائل النقل المختلفة، واستخدام البيانات في التخطيط، وتطوير أنظمة التذاكر الموحدة، وتحسين تدفق الحركة، وتوفير المعلومات للمستخدمين في الوقت الحقيقي.
أي أنه انتقال من إدارة تعتمد على رد الفعل إلى إدارة تعتمد على المعرفة المسبقة.
من واقع الخبرة البرلمانية والسياسية أرى أن أحد أوجه القصور التقليدية في إدارة النقل المصري كان تعدد الجهات وتداخل الاختصاصات. فالمواطن يتعامل مع منظومة واحدة، بينما تدار هذه المنظومة عبر مؤسسات متعددة لا تتكامل دائمًا بالقدر المطلوب.
ولهذا فإن التحول نحو النقل الذكي يجب أن يبدأ من بناء قاعدة بيانات وطنية موحدة لحركة النقل في مصر، تكون متاحة لصناع القرار والباحثين والمخططين.
كما أن النقل الذكي لا يمكن فصله عن النقل الجماعي.
فلا توجد مدينة في العالم استطاعت حل أزمة المرور عبر الاعتماد على السيارات الخاصة وحدها.
كل المدن الناجحة استثمرت أولًا في النقل الجماعي، ثم استخدمت التكنولوجيا لتحسين كفاءته.
أما المدن التي اعتمدت على التوسع المستمر في الطرق دون تطوير النقل الجماعي فقد وجدت نفسها تعود إلى النقطة نفسها بعد سنوات قليلة.
هنا تبرز مفارقة مهمة.
فبينما تزداد الحاجة إلى وسائل النقل الجماعي، يواجه المواطن المصري ارتفاعًا مستمرًا في تكاليف الانتقال. سواء عبر المترو أو القطارات أو وسائل النقل الأخرى.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا هو: كيف نشجع المواطن على استخدام النقل الجماعي إذا كانت التكلفة تتزايد بوتيرة أسرع من نمو دخله؟
فنجاح أي سياسة نقل ذكية يبدأ من جعل البديل الجماعي أكثر جاذبية لا أكثر صعوبة.
كما أن النقل الذكي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالعدالة الاجتماعية. فالمواطن الذي يعيش في أطراف المدينة أو في محافظة بعيدة يجب أن يحصل على فرص انتقال لا تقل كفاءة عن المواطن القريب من مراكز الخدمات والوظائف.
والتنمية الحقيقية لا تعني فقط بناء الطرق، بل ضمان أن تتيح هذه الطرق فرصًا متكافئة للجميع.
ومن بين المقترحات التي أراها ضرورية حتى عام 2030 إنشاء “المركز الوطني لإدارة النقل الذكي”، بحيث يتولى جمع البيانات وتحليلها وربط مختلف وسائل النقل في إطار موحد.
كما أقترح تعميم نظام التذكرة الموحدة الذي يسمح للمواطن باستخدام المترو والقطارات والحافلات ووسائل النقل الجماعي المختلفة من خلال نظام دفع واحد.
فهذا النموذج أثبت نجاحه في عشرات المدن الكبرى حول العالم.
وأرى كذلك ضرورة الاستثمار في أنظمة المعلومات اللحظية للمواطنين. فالمستخدم الذي يعرف موعد وصول الحافلة أو القطار أو المترو بدقة يكون أكثر استعدادًا لاستخدام النقل الجماعي وأقل اعتمادًا على السيارة الخاصة.
وهذه التفاصيل الصغيرة ظاهريًا هي التي تصنع الفارق الحقيقي في المدن الحديثة.
كما ينبغي أن تصبح البيانات أساسًا للتخطيط المستقبلي. فلا يكفي أن نعرف حجم الحركة اليوم، بل يجب أن نفهم كيف ستتغير خلال خمس أو عشر أو عشرين سنة. فالتخطيط للنقل بطبيعته تخطيط للمستقبل، وليس استجابة للحاضر فقط.
مصر الممكنة التي نحلم بها ليست مصر الأقل ازدحامًا فحسب، بل مصر التي تحسن إدارة وقت مواطنيها وطاقتهم ومواردهم. فالزحام ليس مجرد إزعاج يومي، بل خسارة اقتصادية ضخمة، واستنزاف للطاقة، وتراجع في جودة الحياة.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست ضد السيارات أو الطرق أو المواطنين.
بل ضد الإدارة التقليدية التي لم تعد قادرة وحدها على التعامل مع تحديات المدن الحديثة.
وحين تنجح مصر في الانتقال من منطق بناء الطرق فقط إلى منطق إدارة الحركة بكفاءة وذكاء، ستكون قد قطعت خطوة مهمة نحو مدينة أكثر إنسانية، وأكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
الحلقة القادمة:
من الإسكندرية إلى أسوان… كيف تصبح مصر مركزًا لوجستيًا عالميًا؟





