شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مصر كل ساعة . مصر الممكنة 2030

في كل ساعة تمر على مصر، لا يتحرك الزمن وحده، بل تتحرك معه موازنة كاملة من الألم والاختيار. في ساعة واحدة تُنفق الدولة نحو 933 مليون جنيه، لكن ما يقارب ثلثي هذا المبلغ يذهب إلى خدمة الدين وفوائده وأقساطه، بينما يبقى الثلث الأخير لكل ما يخص الإنسان المصري: تعليمه وصحته وأجره ودعمه واستثماره وفرصته في حياة أعدل.

ليست خطورة الرقم في ضخامته فقط، بل في دلالته. فحين تذهب نحو 597 مليون جنيه كل ساعة إلى خدمة الدين، ولا يتبقى سوى نحو 336 مليون جنيه لكل أبواب الحياة، فنحن لا نكون أمام موازنة عادية، بل أمام مرآة قاسية تكشف دولة يلتهم ماضيها المالي جزءًا كبيرًا من مستقبلها الاجتماعي.

كل ساعة في مصر، تقترض الدولة أيضًا نحو 458 مليون جنيه لتمويل هذا الإنفاق. أي أننا لا ندفع فقط ثمن ما مضى، بل نراكم في الوقت نفسه التزامات جديدة على ما سيأتي. وهذه هي الدائرة الأخطر: أن يصبح الدين وسيلة لسداد الدين، وأن تتحول الموازنة من أداة لبناء المستقبل إلى ماكينة لإعادة تدوير الأعباء.

لو نظرنا إلى الساعة المصرية لا كزمن، بل كموازنة مصغرة، سنجد سؤالًا مؤلمًا ينتظر الإجابة: كم دقيقة من هذه الساعة تذهب للمدرسة؟ وكم دقيقة للمستشفى؟ وكم دقيقة للأجر العادل؟ وكم دقيقة للاستثمار الحقيقي؟ وكم دقيقة تضيع في خدمة دين صنعته سنوات من اختيارات اقتصادية لم يخترها المواطن، لكنه صار مطالبًا بدفع ثمنها؟

هذه ليست أزمة عابرة صنعتها حرب دولية أو اضطراب إقليمي أو ارتفاع مفاجئ في أسعار الطاقة، وإن كانت هذه العوامل تضيف ضغطًا فوق الضغط. إنها قبل ذلك خلل هيكلي طويل، تراكم عبر سنوات اتسع فيها حضور الدولة في السوق، وتراجع فيها القطاع الخاص الحقيقي، وضعفت المنافسة، وتقدمت المشروعات الثقيلة أحيانًا على حساب الإنتاج القادر على خلق قيمة وفرص عمل.

حين تبتلع خدمة الدين 64% تقريبًا من إنفاق الساعة الواحدة، يصبح الحديث عن التنمية محتاجًا إلى شجاعة لا إلى شعارات. فالتنمية ليست إعلانًا عن مشروع جديد فقط، بل قدرة على تمويل تعليم جيد، وصحة لائقة، وشبكة أمان عادلة، واستثمار يخلق عملًا لا مجرد حجر، وإدارة تجعل الموارد المحدودة في خدمة الناس لا في خدمة الاختلال.

في كل ساعة، يحتاج المصريون إلى مدرسة لا تُرهق الأسرة، ومستشفى لا يسأل المريض عن جيبه قبل وجعه، وطريق آمن، وفرصة عمل حقيقية، ودعم يحمي الأضعف، واستثمار يفتح بابًا للغد. لكن هذه الاحتياجات كلها تتزاحم على 336 مليون جنيه فقط من ساعة الإنفاق، بينما يقف الدين في أول الصف، يأخذ نصيبه كاملًا قبل أن تصل الدولة إلى الإنسان.

ولا يقتصر الأمر على الدين وحده. فملف الهيئات الاقتصادية يكشف وجهًا آخر من سوء توجيه الموارد. فدافع الضرائب يتحمل ما يقارب 18.4 مليون جنيه كل ساعة دعمًا لهذه الهيئات، وهو رقم يقترب من قيمة الإنفاق على دعم السلع التموينية، ويعادل أضعاف ما يخصص لبرامج اجتماعية تمس الفئات الأكثر هشاشة، مثل «تكافل وكرامة».

هنا يصبح السؤال مشروعًا وضروريًا: لماذا يدفع المواطن كل ساعة هذا القدر من المال لدعم هيئات يفترض أن تكون اقتصادية؟ وما معنى أن تبقى كيانات كبيرة على ظهر الموازنة بينما تُطلب من المواطن تضحيات جديدة في الدعم والضرائب والأسعار؟ وكيف نطلب من الفقراء تفهم ترشيد الخبز، بينما لا نفتح بجدية دفاتر الكفاءة في الشركات والهيئات العامة؟

الأخطر أن من بين مئات الشركات المملوكة للدولة، هناك عدد كبير لم يستكمل قوائمه المالية في التوقيت المطلوب، بما يفتح بابًا واسعًا للأسئلة حول الشفافية، وكفاءة الإدارة، وحوكمة المال العام. فالمال الذي لا تُكشف حركته بوضوح يتحول إلى منطقة رمادية، وكل منطقة رمادية في الاقتصاد يدفع ثمنها المواطن في النهاية من ضريبة أو دين أو خدمة ناقصة.

ليست المشكلة في وجود دولة قوية، بل في أن تختلط القوة بالوصاية، والتنظيم بالمنافسة، والدور العام بالاحتكار. الدولة مطلوبة في التعليم والصحة والعدالة والبنية الأساسية وحماية الضعفاء وتنظيم السوق، لكنها حين تدخل السوق منافسًا بامتيازات السلطة، فإنها لا تحمي الاقتصاد، بل تضعفه، ولا تجذب المستثمر، بل تجعله يتردد أمام لاعب يملك القانون والملعب والحكم معًا.

الإصلاح الليبرالي الرشيد لا يعني دولة غائبة، ولا سوقًا متوحشة، ولا خصخصة عمياء. يعني دولة عادلة تعرف حدودها، وسوقًا تنافسية تعرف قواعدها، وقطاعًا خاصًا يعمل في بيئة شفافة لا في ظل امتيازات غامضة، ومواطنًا لا يُترك وحده أمام الأسعار بحجة الإصلاح. إن مصر لا تحتاج إلى انسحاب الدولة من مسؤولياتها، بل إلى انسحابها من المنافسة غير العادلة.

كل ساعة تضيع فيها فرصة الإصلاح الحقيقي، تزيد الاحتياجات التمويلية، ويزداد انكشاف الاقتصاد المصري أمام الصدمات الخارجية. وقد كان صندوق النقد الدولي واضحًا في مراجعته الأخيرة حين ربط استدامة الاستقرار بتسريع الإصلاحات الهيكلية، وتقليص بصمة الدولة الاقتصادية، وفتح المجال أمام نمو يقوده القطاع الخاص بصورة أكثر شمولًا واستدامة.

لكن علينا أن نقرأ توصيات صندوق النقد بعين وطنية لا بعين التابع. فليست المشكلة في أن نقبل أو نرفض ما يقوله الصندوق كحزمة جاهزة، بل في أن نسأل: كيف ننفذ الإصلاح؟ ولحساب من؟ وبأي ضمانات اجتماعية؟ فالإصلاح إذا تحول إلى بيع أصول فقط، أو ضغط على الفقراء فقط، أو إرضاء للممولين فقط، فإنه لا يصنع اقتصادًا حرًا، بل يصنع هشاشة جديدة بثياب فنية.

في مصر الممكنة، لا تكون الخصخصة بيعًا تحت ضغط الحاجة، بل إعادة هيكلة بشفافية وعدالة ومنافسة. ولا تكون الطروحات وسيلة لسد فجوة دولارية عابرة، بل جزءًا من مشروع أوسع لرفع الكفاءة، وجذب الاستثمار، وتوسيع الملكية، ومنع الاحتكار، وضمان أن لا تنتقل الأصول من يد الدولة المتغولة إلى يد احتكار خاص جديد.

الساعة المصرية تحتاج إلى ميزان جديد. فإذا كانت 597 مليون جنيه تذهب كل ساعة لخدمة الدين، فعلينا أن نسأل كم ساعة من مستقبل أطفالنا تُستنزف قبل أن نصل إلى الفصل الدراسي؟ وكم ساعة من حياة المرضى تضيع قبل أن نصل إلى سرير المستشفى؟ وكم ساعة من أحلام الشباب تُؤجل قبل أن نصل إلى فرصة العمل؟ ليست الأرقام هنا حسابًا ماليًا فقط، بل حسابٌ في أعمار الناس.

التعليم لا ينتظر فائض الموازنة. الصحة لا تنتظر انخفاض الفوائد. الأجور لا تنتظر تحسن المؤشرات. والاستثمار المنتج لا ينتظر أن ننتهي من خدمة الماضي. الدولة التي تؤجل الإنسان حتى تنتهي من الدين ستكتشف متأخرة أن الإنسان هو أصل القدرة على الخروج من الدين، وأن الاقتصاد لا ينهض بميزانية محاسبية فقط، بل بعقل منتج وجسد سليم وثقة عامة.

لذلك فإن رفض هذه الموازنة، أو الاعتراض على فلسفتها، ليس موقفًا عدميًا ولا انفعالًا سياسيًا، بل انحياز لحق المواطن في التنمية والحرية والفرصة الاقتصادية، وانحياز لسوق تنافسية تخلق الازدهار، وانحياز لدولة لا تطلب من الناس أن يدفعوا كل ساعة ثمن اختيارات لا يملكون مراجعتها.

المسألة ليست أن مصر تنفق كثيرًا، بل أنها لا تنفق بما يكفي في الاتجاه الصحيح. فالإنفاق على الدين ليس اختيارًا حرًا اليوم، لكنه نتيجة اختيارات سابقة. أما الإنفاق على التعليم والصحة والإنتاج والحماية الاجتماعية فهو اختيار المستقبل. وكل ساعة لا نعيد فيها ترتيب هذه الأولويات، نؤجل مصر الممكنة ساعة أخرى.

مصر كل ساعة تحتاج إلى اقتصاد ينتج قبل أن يقترض، ويصدر قبل أن يستورد، ويوظف قبل أن يعلن، ويجذب المستثمر بالثقة لا بالمجاملة، ويحمي الفقير بالسياسة لا بالصدفة، ويعيد للطبقة الوسطى قدرتها على التنفس. هذه ليست أحلامًا رومانسية، بل شروط بقاء لدولة كبيرة لا يجوز أن تظل معلقة بين قرضٍ جديد وبيعٍ جديد وانتظارٍ جديد.

المطلوب أن تبدأ المراجعة من ثلاثة أبواب واضحة: أولها ضبط خدمة الدين عبر استراتيجية أكثر شفافية لإدارة الاقتراض والكلفة والاستحقاقات، وثانيها إصلاح الهيئات والشركات المملوكة للدولة بحوكمة جادة وقوائم مالية منشورة ومحاسبة فعلية، وثالثها تحرير السوق من الامتيازات غير العادلة حتى يصبح القطاع الخاص قادرًا على الإنتاج لا مجرد متفرج على اقتصاد مغلق.

كما تحتاج مصر إلى قاعدة ذهبية في موازنتها المقبلة: ألا يكون الإنسان هو البند المتبقي بعد الدين، بل البند الذي من أجله تُدار الدولة كلها. فالتعليم والصحة والدعم والاستثمار العام ليست فضلات مالية تُوزع بعد سداد الالتزامات، بل هي رأس مال الأمة الحقيقي. الدين واجب السداد، نعم، لكن الإنسان واجب الإنقاذ قبل ذلك ومعه وبعده.

لو أردنا أن نرى مصر الممكنة حقًا، فعلينا أن نعيد قراءة الساعة المصرية من جديد. لا يكفي أن نعرف كم تدفع الدولة كل ساعة، بل يجب أن نعرف لمن تدفع، ولماذا، وماذا يعود على المواطن. الأرقام لا تكذب غالبًا، لكنها قد تخفي المعنى إذا تركناها بلا سؤال. والمعنى هنا واضح: دولة تنفق معظم ساعتها على خدمة الماضي لن تستطيع أن تمنح أبناءها مستقبلًا آمنًا إلا إذا راجعت الطريق.

مصر الممكنة 2030 ليست دولة بلا دين، فهذا غير واقعي، وليست دولة بلا أعباء، فهذا غير صحيح، لكنها دولة لا تسمح للدين أن يصبح حاكمًا صامتًا للموازنة، ولا تسمح للهيئات الخاسرة أن تزاحم الفقراء على الموارد، ولا تسمح للدولة أن تكون خصمًا وحكمًا ولاعبًا في السوق. إنها دولة تعرف أن قوتها تبدأ من تحرير الطاقة الكامنة في المجتمع، لا من تضييق المجال أمامها.

عنوان «مصر كل ساعة» ليس مجرد صياغة لافتة، بل طريقة لرؤية الأزمة. فكل ساعة تقول لنا الحقيقة بلا تجميل: كم ندفع للماضي؟ كم نترك للمستقبل؟ كم يأخذ الدين؟ كم يبقى للإنسان؟ وحين نجيب بصدق، سنعرف أن طريق النجاة لا يبدأ من المراوغة، بل من مصارحة وطنٍ يستحق أن تُنفق ساعاته في بناء حياته، لا في تدوير أزماته.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى