
في الجزء الأول، وقفنا على أطراف الصحراء، حيث تبدو لنا السياسة من بعيد كواحة غنّاء، تعد بالعدل والازدهار.
لكن الاقتراب يكشف حقيقتها القاسية كثباناً من الوعود المتحركة، وسماءً لا تمطر إلا خطابات.
في هذا الجزء الثاني، لا أريد أن أتحدث عن الصحراء نفسها، بل عن سيكولوجية السائر فيها.
عن ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس لنا بأن السراب حقيقي، ليس لأن أعيننا تخدعنا، بل لأن قلوبنا منهكة وتحتاج إلى أن تصدق.
بعد سنوات من متابعة الشأن العام، توصلت إلى قناعة شخصية مؤلمة أكبر سراب في صحراء السياسة ليس وعود المرشحين، ولا شعارات الأحزاب.
السراب الأكبر هو فكرة “المنقذ”.
إنه ذلك الإيمان الراسخ، الذي يتجدد مع كل دورة انتخابية أو حراك، بأن شخصاً واحداً، بطهره أو دهائه، يستطيع وحده أن يحول الرمال إلى طين خصب.
لقد رأيت نفسي، مرات عديدة، ألهث وراء هذا السراب.
في كل مرة، كنت أعتقد أنني هذه المرة أملك “البوصلة”، وأن عيني قد تفحصت الأفق جيداً، لأكتشف لاحقاً أنني كنت أطارد انعكاس عطشي على جدار حار.
الاعتراف الأصعب هو أننا لا نقع ضحية لمكر السياسي، بل ضحية لرغبتنا في تصديقه.
إنه الميثاق غير المكتوب بين العطشان والسراب أنت تمنحني وهْم الماء، وأنا أمنحك وهْم التصديق.
لقد راودتني الشكوك مراراً، ورأيت التناقضات الصارخة بين القول والفعل، لكن الصوت الداخلي كان يجد لها تبريراً “المرحلة صعبة”، “العدو في الداخل”، “عليه أن يداري”، “سيصلح الأمر حين يتمكن”.
لم تكن هذه تبريرات سياسية، بل كانت آليات دفاع نفسية، لأن مواجهة حقيقة أن الطريق كان بلا وجهة، كانت أقسى من مواصلة السير نحو الأمل المزيف.
ثمة لحظة مفصلية في حياة كل متابع، أسميها “لحظة الإدراك الصحراوي”.
إنها اللحظة التي تتوقف فيها عن النظر إلى أيدي السياسيين لترى ماذا يحملون، وتبدأ بالنظر إلى الأرض تحت أقدامهم، فترى فقط آثار خطوات من سبقوك، تسير في دوائر لا تنتهي.
في تلك اللحظة، يصمت صوت السراب، وتحل محله ضوضاء مختلفة ضوضاء مسؤوليتك الشخصية.
حينها تسأل نفسك السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه “ماذا لو لم يكن هناك منقذ؟
ماذا لو كانت قوة التغيير الحقيقية تكمن في ملايين الخطوات الصغيرة التي نخطوها معاً، لا في خطى شخص واحد، مهما بدا عملاقاً؟”.
الخروج من هذه الدوامة ليس سهلاً.
إنه يتطلب شجاعة من نوع مختلف، شجاعة أن تعيش في الصحراء دون أن تهذي بالواحة.
أن تقبل بجدب الواقع كشرط أولي لإصلاحه، لا أن تنكره عبر الهروب إلى خيال المخلص.
السياسة، في جوهرها الإنساني، ليست بحثاً عن قائد يملك عصا موسى، بل هي هندسة جماعية لاستخراج الماء من عمق الأرض، مهما بلغت صلابتها.
وهذا الفعل يحتاج إلى أدوات مختلفة تماماً إلى نقد ذاتي مرير، وإلى صبر الجمل، وإلى يقين بأن تعب الحفر، ولو طال، أشرف ألف مرة من غفوة تحت ظل سراب.
اليوم، وأنا أنظر إلى المشهد من جديد، لم أعد أطارد الظلال.
لقد تعلمت أن أسمي الأشياء بأسمائها الوهم وهم، والصدق صدق، والوعد الفارغ مثل قبضة اليد على الماء.
إنها نظرة أكثر قتامة، ربما، لكنها أكثر صدقاً.
في الصحراء، لا يوجد أجمل من الحقيقة ولو كانت شوكاً، ولا أقبح من الكذب ولو كان زهراً.
ربما هذه هي خلاصة الدرس أن السراب ليس خطأ بصرياً فحسب، بل هو امتحان لقدرتك على رؤية الحقيقة حين تكون وحدك، تحت شمس لا ترحم، بلا أوهام.







