
في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية، لم تعد السفارات مجرد بعثات دبلوماسية تمثل الدولة سياسياً، بل أصبحت منصات اقتصادية واستثمارية وعلمية تعمل على جذب الفرص وبناء الشراكات ونقل التكنولوجيا. ومن هذا المنطلق، فإن أي حركة تنقلات أو عودة لسفراء الأردن من دول بحجم البرازيل والصين وكوريا الجنوبية إلى المركز الرئيسي في وزارة الخارجية تستحق أن تُقرأ من زاوية المصالح الوطنية والاستفادة من الخبرات التي اكتسبوها خلال فترة عملهم، أكثر من مجرد كونها إجراءً إدارياً اعتيادياً.
الدبلوماسية الاقتصادية… لغة المستقبل
يشهد العالم اليوم تحولاً من الدبلوماسية التقليدية إلى ما يعرف بـ”الدبلوماسية الاقتصادية والعلمية”، حيث أصبح السفير مطالباً بجذب الاستثمارات، وفتح الأسواق، وبناء الشراكات في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي، إضافة إلى دوره السياسي.
ولذلك فإن الخبرة المتراكمة التي يكتسبها السفراء في دول متقدمة اقتصادياً وصناعياً تمثل رأس مال معرفياً ينبغي استثماره داخل مؤسسات الدولة الأردنية عند عودتهم إلى الوزارة.
أولاً: الصين… مصنع العالم وشريك التكنولوجيا
الصين ليست فقط أكبر دولة صناعية في العالم، بل أصبحت من أكبر المستثمرين في التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، وشبكات الاتصالات، والسكك الحديدية فائقة السرعة، والموانئ، والصناعات الثقيلة.
كما أصبحت الصين لاعباً رئيسياً في تصنيع أشباه الموصلات والإلكترونيات، والسيارات الكهربائية، والطاقة الشمسية، والذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، والتكنولوجيا الطبية.
بالنسبة للأردن، تمثل الصين فرصة كبيرة في نقل التكنولوجيا، وإنشاء مناطق صناعية مشتركة، وجذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وتوطين الصناعات ذات القيمة المضافة.
ثانياً: كوريا الجنوبية… نموذج النجاح الصناعي
كوريا الجنوبية تعتبر واحدة من أكثر قصص التنمية نجاحاً في العصر الحديث.
فقد انتقلت خلال عقود قليلة من دولة نامية إلى واحدة من أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم، اعتماداً على التعليم، والابتكار، والبحث العلمي، والصناعات المتقدمة، والشركات العالمية.
وتتميز كوريا بريادتها في الإلكترونيات، وأشباه الموصلات، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وصناعة السيارات، والسفن، والطب الحيوي، والتقنيات الطبية.
كما تمتلك برامج متقدمة في الهندسة الوراثية والتقنيات الحيوية، وهو مجال يمكن للأردن أن يستفيد منه في الصناعات الدوائية والزراعة الحديثة والقطاع الصحي.
ثالثاً: البرازيل… عملاق أمريكا الجنوبية
البرازيل ليست مجرد دولة زراعية كما يعتقد البعض، بل تعد إحدى أكبر الاقتصادات العالمية، وتمتلك ميزات استراتيجية في الصناعات الغذائية، والطيران، والتعدين، والطاقة الحيوية، والزراعة الذكية، والوقود الحيوي، والصناعات الدوائية، والهندسة الوراثية الزراعية، وأيضاً الرياضة وخصوصاً كرة القدم.
كما تعد البرازيل من الدول الرائدة عالمياً في إنتاج الأغذية، وتطوير المحاصيل، والهندسة الحيوية الزراعية، وهو ما يفتح آفاقاً واسعة للتعاون مع الأردن في مجالات الأمن الغذائي، وإدارة المياه، والزراعة في البيئات الجافة.
إن الهندسة الحيوية والجينات هي اقتصاد المستقبل، حيث يشهد العالم سباقاً ضخماً في علوم الجينات والهندسة الحيوية، حيث أصبحت هذه المجالات تمثل أحد أعمدة الاقتصاد العالمي، وتشمل تطبيقاتها العلاج الجيني، والطب الشخصي، وتصنيع اللقاحات، وإنتاج الأدوية الحيوية، وتحسين المحاصيل الزراعية، والأمن الغذائي، ومقاومة الأمراض، والتقنيات المخبرية المتقدمة.
وهنا يمكن للأردن أن يبني شراكات بحثية مع الجامعات والمراكز العلمية في الصين وكوريا الجنوبية والبرازيل، مستفيداً من كفاءاته العلمية ومن قطاعه الدوائي المتقدم إقليمياً.
وهنا أقصد أن اختيار السفراء هو رؤية تخصصية وليست سياسية فقط، فلقد تغير مفهوم السفير في القرن الحادي والعشرين، وفي الدول المتقدمة أصبح من المعتاد اختيار سفراء يمتلكون خبرات في الاقتصاد، والتجارة الدولية، والصناعة، والتكنولوجيا، والاستثمار، والطاقة، والابتكار، والتعليم العالي، والبحث العلمي، وغيره.
ولا يقلل ذلك من أهمية الخلفية الدبلوماسية، بل يضيف إليها بعداً عملياً يساعد على تحقيق مصالح الدولة.
فالسفير في بكين أو سيؤول أو برازيليا يحتاج إلى فهم عميق لاقتصاد تلك الدول، وآليات الاستثمار، والتقنيات الحديثة، وأساليب التفاوض التجاري، إضافة إلى قدرته على بناء العلاقات السياسية.
وهنا يبرز السؤال: ماذا يمكن أن يستفيد الأردن؟
والإجابة هي أن الأردن يمكنه أن يوسع تعاونه مع هذه الدول في عدة مجالات، منها إنشاء مراكز بحثية مشتركة، ونقل التكنولوجيا الصناعية، ودعم الشركات الأردنية لدخول تلك الأسواق، وجذب الاستثمارات، وتوطين الصناعات المتقدمة، والتعاون في الذكاء الاصطناعي، وتطوير الصناعات الدوائية، والأمن الغذائي، والطاقة النظيفة، وتدريب الكوادر الأردنية، والابتعاث العلمي، وبناء حاضنات أعمال مشتركة.
وأقصد هنا أن دور الحكومة الأردنية يجب أن يتطور ويتغير، وخصوصاً دور وزير الخارجية وخلفيته ونهجه ورؤيته، حيث يقع عليه ضمن عاتق الحكومة دور محوري في تحويل العلاقات الدبلوماسية إلى شراكات اقتصادية وعلمية مستدامة، وذلك من خلال إعداد استراتيجية وطنية للدبلوماسية الاقتصادية، والاستفادة من خبرات السفراء العائدين عبر إشراكهم في اللجان الاقتصادية والعلمية، وتعزيز التعاون بين وزارة الخارجية ووزارات الصناعة والاستثمار والتعليم العالي والاقتصاد الرقمي، وتشجيع الجامعات الأردنية على توقيع اتفاقيات بحثية مع الجامعات الرائدة في الصين وكوريا الجنوبية والبرازيل، ودعم القطاع الخاص للدخول إلى تلك الأسواق، وإنشاء مجالس أعمال مشتركة أكثر فاعلية، وتطوير برامج لتبادل الباحثين والمهندسين ورواد الأعمال.
وأتساءل عن رؤية وزارة الخارجية للمستقبل ضمن إطار الحكومة الأردنية وبرامجها؟
وقصدنا أن عودة السفراء من دول تمتلك تجارب اقتصادية وصناعية وعلمية رائدة يجب أن تُنظر إليها باعتبارها فرصة لنقل المعرفة والخبرة إلى مؤسسات الدولة، وليس مجرد انتقال وظيفي بين موقعين أو ترضية لمجموعات وشلل وصداقات وتعيينات مجاملة ومكافأة نهاية خدمة وزير أو مسؤول كبير.
فالأردن يمتلك رأس مال بشرياً متميزاً، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، واستقراراً سياسياً، وهي عناصر تؤهله لأن يكون شريكاً فاعلاً في الاقتصاد العالمي إذا ما أُحسن توظيف الدبلوماسية الاقتصادية والعلمية.
إن الاستثمار الحقيقي لم يعد يقتصر على الأموال، بل أصبح يبدأ بالإنسان والخبرة والمعرفة. وكل سفير يعود من عاصمة عالمية كبرى يحمل معه شبكة واسعة من العلاقات، وفهماً عميقاً لآليات الاقتصاد والتكنولوجيا والابتكار. ومن هنا، فإن تحويل هذه الخبرات إلى سياسات ومبادرات عملية قد يكون من أكثر الاستثمارات جدوى للأردن في بناء اقتصاد أكثر تنافسية، وتعزيز حضوره على الساحة الدولية، وترسيخ مكانته كشريك موثوق في مجالات التجارة والصناعة والبحث العلمي والابتكار.
أتمنى أن تصل الرسالة إلى ملك البلاد مثلما وصلته رسالة المغتربة في أمريكا، وكان خير مساند لتحقيق رغبتها وحنينها للعودة للأردن في أنبل موقف ملكي، لعل أن يكون هناك فرصة من خلال إعادة النظر في دور وزير الخارجية ونوعية اختيار السفراء لتعزيز مكانة الأردن عالمياً والاستفادة محلياً من السفراء والدول الذين يخدمون بها، مع خالص تقديري واحترامي لجهود السفراء والسفارات الأردنية في الخارج، ولكن “تغيير النهج” هو المطلوب، وهو ما دوماً قصدناه أن النهج يجب أن يتغير. كفى.







