حدث في مثل هذا اليومذاكرة التاريخملفات وتقارير

في ذكرى افتتاح الكاتدرائية المرقسية: كواليس يوم لا يُنسى في تاريخ مصر

في مثل هذا اليوم من ذاكرة التاريخ، وتحديداً في 26 يونيو من عام 1968، شهدت مصر حدثاً تاريخياً استثنائياً ما زالت أصداؤه تتردد في وجدان الأقباط حتى يومنا هذا، حيث احتفلت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بافتتاح الكاتدرائية المرقسية الجديدة بدير الأنبا رويس في منطقة العباسية. لم يكن هذا الحدث مجرد افتتاح لصرح معماري ضخم، بل كان تتويجاً لرحلة روحية وتاريخية توجت بعودة رفات القديس مار مرقس الرسول من مدينة البندقية بإيطاليا وروما، ليتم إيداعها في مكانها الذي تليق به داخل المذبح الرئيس للكاتدرائية.

في هذا اليوم المهيب الذي وافق يوم الأربعاء 26 من يونيو سنة 1968، أقام البابا كيرلس السادس قداساً حبرياً حافلاً وسط حشود غفيرة بلغت نحو ستة آلاف نسمة من المصلين الذين توافدوا ليشهدوا هذا العرس الروحي. لم يكن الحضور مقتصرًا على الشعب المصري فحسب، بل شهد القداس مشاركة عالمية واسعة تليق بعظمة المناسبة، حيث شارك في الصلاة البطريرك مار أغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، إلى جانب كوكبة من مطارنة السريان والهند والأرمن الأرثوذكس.

تزينت الكاتدرائية في ذلك الصباح بحضور شخصيات عالمية بارزة، كان على رأسهم الإمبراطور هيلاسلاسي الأول إمبراطور أثيوبيا، الذي حرص على التواجد في هذا اليوم التاريخي، كما حضر الكردينال دوفال رئيس البعثة الباباوية الرومانية، ومجموعة كبيرة من رؤساء الأديان والمطارنة والأساقفة ورجال الدين من مختلف بلدان العالم، مما أضفى على المناسبة صبغة دولية عكست المكانة الرفيعة التي تحظى بها الكنيسة القبطية في المحافل العالمية.

كان المشهد الأكثر تأثيراً في ذلك اليوم هو لحظة وضع صندوق رفات القديس مار مرقس الرسول على مائدة في منتصف شرقية هيكل الكاتدرائية، حيث ظل الصندوق محط أنظار الجميع طوال فترة إقامة القداس. وما أن انقضت مراسم الصلاة، حتى انطلق موكب مهيب تقدمه البابا كيرلس السادس حاملاً صندوق الرفات، يرافقه الإمبراطور هيلاسلاسي وبطريرك السريان الأرثوذكس ولفيف من رؤساء الكنائس العالمية، في رحلة قصيرة نحو المزار المعد خصيصاً للقديس تحت المذبح الرئيس.

في تلك اللحظة الفارقة، تم إيداع الصندوق في مزار خاص داخل المذبح الرخامي، وغطي بلوحة رخامية كبيرة تعلوها مائدة المذبح، في مراسم مهيبة امتزجت فيها الدموع بالترانيم. صدحت في أرجاء الكاتدرائية أصوات فرق التراتيل بلغات متعددة ومتعاقبة، في تحية رمزية تليق بمار مرقس الرسول، حيث غُنيت الألحان بالقبطية والأثيوبية والسريانية والأرمنية واليونانية واللاتينية والعربية، لتشكل لوحة فنية وروحية نادرة في التاريخ الحديث.

لقد ظل ذلك اليوم محفوراً في ذاكرة الأمة المصرية، باعتباره يوماً بهيجاً من أسعد أيام كنيسة الإسكندرية، حيث تجلت فيه الوحدة والمحبة في أبهى صورها. لقد كانت خطوة افتتاح الكاتدرائية وإعادة رفات القديس مار مرقس بمثابة إعلان عن قوة الجذور التاريخية للكنيسة القبطية، ومحاولة جادة لإعادة إحياء التراث الروحي الذي امتد لقرون، حيث ظل دير الأنبا رويس، المعروف قديماً بدير الخندق، شاهداً على عظمة هذا اليوم الذي جمع الشرق والغرب في قلب القاهرة.

إن التوثيق التاريخي لهذا اليوم يظل مرجعاً أساسياً لكل من يبحث في تفاصيل الهوية الوطنية والدينية، فبالرغم من مرور العقود، يظل يوم 26 يونيو 1968 علامة فارقة في تاريخ مصر، مؤكداً أن الرموز التاريخية والروحية هي دائماً البوصلة التي توجه وجدان الشعوب نحو التمسك بتراثها، وتذكرها بالأيام التي تجمعت فيها القلوب والأنظار حول رمز واحد، وهو القديس الذي حمل رسالة المحبة والإيمان إلى أرض مصر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى