أخبار العالمملفات وتقارير

تفشي حمى الضنك في سيستان وبلوشستان وتسجيل 1000 حالة إصابة

يعيش إقليم سيستان وبلوشستان وضعا صحيا كارثيا مع تفاقم انتشار مرض حمى الضنك بشكل متسارع بين السكان، حيث سجلت السلطات الطبية ارتفاعا كبيرا في أعداد المصابين بالتزامن مع انهيار تام ونقص حاد في الخدمات الصحية الأساسية والمرافق الطبية اللازمة، مما يثير مخاوف عارمة من اتساع رقعة العدوى الفيروسية وخروج الوضع عن السيطرة بشكل كامل، وهو ما يؤكد الحاجة الملحة والقصوى لتدخلات وقائية عاجلة وتعزيز البنية التحتية الطبية المتهالكة لاحتواء هذا المرض الفتاك قبل وقوع كارثة إنسانية كبرى. ويأتي هذا التدهور في ظل غياب شبه كامل لبرامج الرصد الصحي وضعف شديد في مستويات التوعية المجتمعية خصوصا في المناطق الجنوبية من الإقليم، مما جعل تلك المناطق بيئة خصبة وجاذبة لانتشار وتوطن الأمراض المعدية والأوبئة الخطيرة، حيث يسهم التأخر المستمر في اكتشاف الحالات وغياب الوقاية في تسارع تفشي العدوى بين المواطنين الأبرياء جميعا.
وكشف تقرير رسمي صادر عن شبكة بلوشستان لحقوق الإنسان عن أرقام مرعبة تعكس مدى الإهمال الهيكلي، حيث أعلن مدير عيادة تشابهار الصحية عن تسجيل نحو 1000 حالة إصابة مؤكدة بحمى الضنك في المناطق الجنوبية من إقليم سيستان وبلوشستان خلال الربع الأول من عام 2026 الحالي، ويأتي هذا الارتفاع القياسي والخطير في عدد المصابين في وقت قاتل تعاني فيه معظم مدن ومناطق هذه المحافظة المحرومة من عجز صارخ في المرافق الطبية، ونقص حاد في أجهزة التشخيص والمختبرات المجهزة، وغياب تام للكوادر الطبية المتخصصة القادرة على التعامل مع مثل هذه الأوبئة، مما ضاعف من حالة الرعب والمخاوف الشعبية حول انعدام القدرة على السيطرة على انتشار المرض الفيروسي، ويكشف هذا الوضع المأساوي مجددا عن حجم الفجوة العميقة والتمييز الصارخ بين الاحتياجات الطبية الأساسية لسكان بلوشستان والمرافق الهزيلة المتاحة لهم من قبل الجهات المسؤولية.
ويعد مرض حمى الضنك مرضا فيروسيا خطيرا ينتقل مباشرة إلى جسم الإنسان عن طريق لدغات بعوضة الزاعجة المصرية، وتترافق هذه الحمى عادة مع أعراض سريرية مؤلمة تشمل الارتفاع الشديد في درجة حرارة الجسم، والصداع المزمن، وآلاما حادة في العضلات والمفاصل، بالإضافة إلى الغثيان المستمر والطفح الجلدي الواسع، وفي بعض الحالات الحادة والمتطورة قد يتحول المرض إلى شكل نزفي خطير يهدد حياة المريض بالوفاة السريعة إذا لم يتلق الرعاية الطبية الفورية. والجدير بالذكر أنه لم يكن هناك أي رصد مسبق لوجود بعوضة الزاعجة المصرية الغازية في مدينة تشابهار والمناطق المحيطة بها في السنوات الماضية، ولكن جرى تسجيل ورصد أولى حالات الإصابة بهذا النوع الغازي والخطير من البعوض في المنطقة خلال ذلك العام، ووفقا للمعلومات والتقارير المنشورة بحلول نهاية ذلك العام، امتد نطاق انتشار هذه البعوضة ليشمل كافة أنحاء مدينة تشابهار وضواحيها.
وبحسب مدير عيادة تشابهار الصحية، لم تكن بعوضة الزاعجة تحمل فيروس حمى الضنك عند دخولها المنطقة، ولكن مع وصول المصابين من باكستان، تشكلت دورة انتقال الفيروس، وتدريجياً أصيبت البعوضات الموجودة بالعدوى. وقد سمحت هذه العملية بانتقال المرض محلياً وزيادة الحالات في جنوب الإقليم. لطالما حذر الخبراء من عوامل عديدة، منها حدود سيستان وبلوشستان مع باكستان، وحركة المرور عبر الحدود، وصعوبة السيطرة على الأمراض المعدية. ومع ذلك، يرى ناشطون في مجال الصحة أن غياب برامج رصد شاملة، وتوعية عامة، ومكافحة نواقل الأمراض، قد تمهد الطريق لانتشار حمى الضنك بسرعة كبيرة تزيد من معاناة الأهالي الأبرياء وتضعف قدرة المنظومة الصحية الحالية تماما أمام هذا الزحف الفيروسي الخطير والمدمر الذي يهدد بكارثة إنسانية حقيقية تتطلب التدخل الدولي والتحرك السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح السكان في تلك البيئة الموبوءة والمحرومة من الرعاية.
ويتزامن هذا الارتفاع المخيف في أعداد المصابين مع حقيقة مريرة تعيشها مدن بلوشستان، والتي تعاني لسنوات طويلة من نقص حاد ومزمن في الأطباء المتخصصين، وانعدام المختبرات الطبية المؤهلة والمجهزة بأحدث الوسائل، ونقص مرافق رعاية المرضى الداخليين، وغياب أجهزة التشخيص السريع، وحتى المراكز الطبية التي تطبق المعايير القياسية الدنيا، ويضطر سكان هذه المناطق النائية والمهمشة إلى قطع مسافات طويلة وشاقة للغاية تكلفهم أموالا باهظة من أجل الوصول إلى أي مركز خدمات طبية بدائي، مما يؤدي بالتبعية إلى تأخير التشخيص المبكر وضياع فرصة العلاج في الوقت المناسب، وهو ما يتسبب في تدهور الحالات الصحية ووصولها لمراحل حرجة. ويحذر خبراء الصحة من أن مكافحة حمى الضنك بشكل فعال لا تقتصر على علاج المرضى فقط، بل تتطلب تنفيذ برامج واسعة النطاق للسيطرة على بعوضة الزاعجة، والتوعية العامة، ورش المناطق المصابة، وتحسين الصرف الصحي البيئي.
ومع استمرار ارتفاع عدد المصابين، تزايدت المخاوف بشأن انتشار حمى الضنك إلى مناطق أخرى من المحافظة، بل وحتى إلى أجزاء أخرى من البلاد، ويرى ناشطون في مجال الصحة أنه بدون توفير مرافق علاجية كافية، وتعزيز البنية التحتية الصحية، وتنفيذ برامج وقائية، ثمة خطر من ازدياد عدد المصابين وتفاقم الضغط على النظام الصحي. إن تسجيل حوالي 1000 حالة في الأشهر الثلاثة الأولى من العام وحده قد لفت الانتباه مرة أخرى إلى هشاشة نظام الرعاية الصحية في سيستان وبلوشستان، وهي محافظة عانت لسنوات من نقص المرافق الطبية والحرمان الهيكلي وعدم المساواة في الحصول على الخدمات الصحية، وتواجه الآن أيضاً التهديد المتزايد لمرض معدٍ يهدد حياة المواطنين دون وجود أي رعاية طبية حقيقية أو رصد صحي متكامل يحميهم من خطر الموت السريع الذي يلاحقهم في ظل هذا الإهمال الطبي الواسع والمستمر حتى الآن.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى