شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: 20 توصية… وسؤال لكامل الوزير . مصر الممكنة 2030 (29) النقل في مصر الممكنة (6)

لا تنهض الأمم فقط بما تملك من موارد، بل بما تملك من قدرة على الحركة. فالدولة التي تتحرك فيها البضائع ببطء، ويتنقل فيها الناس بكلفة عالية، وتتعطل فيها المدن تحت وطأة الزحام، تدفع من اقتصادها ووقتها وأعصاب مواطنيها ثمنًا لا يظهر كاملًا في أرقام الموازنات، لكنه يظهر في الإنتاجية، وفي الاستثمار، وفي جودة الحياة، وفي شعور الناس اليومي بقدرة الدولة على تنظيم أبسط حقوقهم: حق الوصول.

النقل ليس طريقًا ولا كوبريًا ولا قطارًا ولا محطة فقط. النقل هو الجهاز العصبي للدولة الحديثة. إذا كان منظمًا تدفقت الحياة في الجسد الوطني، وإذا اختل اضطربت الصناعة والتجارة والزراعة والسياحة والتعليم والصحة. فالطالب الذي يتأخر عن جامعته، والعامل الذي ينهكه الطريق قبل أن يبدأ يومه، والمريض الذي يعجز عن الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب، والمستثمر الذي تتضاعف عليه تكلفة الشحن والتوزيع، كل هؤلاء يدفعون ثمن سياسة نقل غير مكتملة.

في الدول المتقدمة لا يُنظر إلى النقل باعتباره مرفقًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من سياسة الدولة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية. فرنسا لم تبنِ شبكة القطارات السريعة لتتباهى بالسرعة فقط، بل لتعيد وصل الأقاليم بالعاصمة والأسواق. ألمانيا لم تجعل قوتها في الطرق وحدها، بل في التكامل بين السكك الحديدية والموانئ والصناعة. هولندا لم تصنع قيمة روتردام من الميناء وحده، بل من شبكة لوجستية دقيقة تربطه بداخل أوروبا. وسنغافورة لم تنتصر بمساحتها الصغيرة، بل بإدارة جعلت الحركة جزءًا من قوة الدولة.

خلال هذا الباب حاولنا أن ننظر إلى النقل في مصر لا بعين الانبهار ولا بعين الإنكار. بدأنا بالمونوريل، وقلنا إنه ليس خصمًا ولا بطلًا، بل مشروع يجب أن يُسأل عن ضرورته وتوقيته وجدواه وتكلفته. ثم توقفنا أمام مترو الأنفاق باعتباره العمود الفقري الحقيقي للمدينة الحديثة، وأشرنا إلى أن زيادات التذاكر المتلاحقة لا يجوز أن تنفصل عن مستوى دخول المواطنين وقدرتهم الفعلية على تحمل التكلفة. ثم ذهبنا إلى السكك الحديدية، تلك الذاكرة التاريخية العظيمة التي بدأت مبكرًا ثم شاخت طويلًا، قبل أن تحتاج اليوم إلى إنقاذ لا يقتصر على شراء قطارات جديدة، بل يمتد إلى فلسفة تشغيل وإدارة وربط اقتصادي. ثم ناقشنا النقل الذكي، وأزمة مدينة تختنق لأن إدارتها لم تعد تسبق حركتها. ثم وصلنا إلى الموانئ واللوجستيات، حيث لا يكفي أن تقع مصر في قلب العالم، بل يجب أن تعرف كيف تستفيد من هذا القلب.

المشكلة في مصر لم تكن يومًا أن الدولة لا تبني. الدولة بنت كثيرًا وأنفقت كثيرًا واقترضت كثيرًا. المشكلة أن كثرة المشروعات لا تعني بالضرورة اكتمال الرؤية. فالمشروع قد يكون ضخمًا ولا يكون عادلًا، وقد يكون حديثًا ولا يكون أولوية، وقد يكون مكلفًا ولا يكون الأعلى عائدًا، وقد يلمع في الصورة ولا يغير حياة الناس بالقدر الذي يبرر تكلفته. وهنا يبدأ السؤال السياسي والاقتصادي والبرلماني الذي لا ينبغي أن يغيب: من يحدد الأولويات؟ وبأي معايير؟ وبأي شفافية؟ وعلى حساب ماذا؟

سنوات طويلة من العمل البرلماني علمتني أن أخطر ما يصيب القرار العام هو أن يتحول الإنفاق إلى بديل عن التخطيط. فالإنفاق ضروري، لكنه ليس فضيلة في ذاته. والقرض قد يكون أداة تنمية إذا ذهب إلى مشروع منتج، لكنه يصبح عبئًا إذا ذهب إلى مشروع لا يسترد كلفته الاقتصادية والاجتماعية. والدولة التي تعاني ضغوطًا مالية وديونًا متزايدة لا تملك رفاهية المشروعات الرمزية، بل تحتاج إلى مشروعات تمس حياة الأغلبية، وتخفض تكلفة الاقتصاد، وتزيد قدرة الناس على العمل والإنتاج.

في مصر الراهنة تبدو المفارقة قاسية. فبينما تتوسع الدولة في مشروعات نقل باهظة التكلفة، ترتفع كلفة الانتقال على المواطن العادي. تذكرة المترو ارتفعت مرات متتالية. وتكاليف القطارات والمواصلات العامة والخاصة زادت بصورة تثقل كاهل الأسر. ومع التضخم وتراجع القدرة الشرائية، لم يعد السؤال عن جودة الخدمة وحدها، بل عن قدرة المواطن على استخدامها أصلًا. النقل الجماعي الذي ينبغي أن يكون ملاذًا للفئات المتوسطة والمحدودة لا يجوز أن يتحول إلى عبء جديد عليها.

لا يمكن لأي سياسة نقل عادلة أن تفصل بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية. صحيح أن التشغيل والصيانة والتحديث لها تكاليف، لكن الصحيح أيضًا أن النقل الجماعي ليس مشروعًا تجاريًا خالصًا. فالعائد الحقيقي للمترو أو القطار أو الحافلة الحديثة لا يظهر فقط في شباك التذاكر، بل يظهر في تقليل الزحام، وخفض الوقود، وتقليل الحوادث، وتحسين الإنتاجية، وتقليل التلوث، وإتاحة الفرصة لمن لا يملك سيارة أن يصل إلى عمله وحقه وحياته.

من هنا تبدأ توصيات مصر الممكنة. وأول هذه التوصيات أن تنتقل الدولة من منطق “مشروعات النقل” إلى منطق “سياسة النقل”. وهذا يعني أن كل طريق أو قطار أو ميناء أو محطة لا يجب أن يولد منفردًا، بل داخل خريطة وطنية واحدة تحدد احتياجات المواطنين والاقتصاد حتى عام 2030 وما بعده، وتربط بين النقل والعمران والصناعة والزراعة والسياحة والتجارة والبيئة.

التوصية الثانية هي إعداد استراتيجية وطنية للنقل حتى عام 2050، لا تتغير بتغير الوزراء ولا تخضع لأهواء اللحظة السياسية. استراتيجية معلنة، قابلة للقياس، تتضمن أهدافًا واضحة: خفض زمن الرحلات داخل المدن، زيادة نصيب النقل الجماعي، رفع نسبة نقل البضائع بالسكك الحديدية والنقل النهري، تقليل تكلفة اللوجستيات، خفض الانبعاثات، وتحقيق عدالة مكانية بين العاصمة والمحافظات.

التوصية الثالثة هي إنشاء مجلس وطني مستقل للنقل والتنقل الحضري واللوجستيات، يضم خبراء في النقل والاقتصاد والتخطيط العمراني والبيئة والتمويل، لا يكون بديلًا عن الوزارة، بل عقلًا استراتيجيًا يراجع الأولويات ويقيس الأداء وينشر تقارير سنوية للرأي العام. فالدولة التي تنفق من المال العام ومن القروض الخارجية يجب أن تقدم للمواطن حسابًا واضحًا لا بيانًا دعائيًا.

التوصية الرابعة هي إلزام الحكومة بنشر دراسات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمشروعات الكبرى قبل بدء التنفيذ، لا بعد انتهائه. فالمونوريل، والقطار الكهربائي، والطرق السريعة، والموانئ، والمناطق اللوجستية، كلها مشروعات تمس المال العام وديون الأجيال. ومن حق المجتمع أن يعرف التكلفة، ومصدر التمويل، والعائد المتوقع، والبدائل التي دُرست، وأسباب اختيار هذا المشروع دون غيره.

التوصية الخامسة هي مراجعة ترتيب الأولويات في ضوء الأزمة الاقتصادية. فلا معنى أن تُستنزف الموارد في مشروعات أقل إلحاحًا بينما تحتاج شبكات تخدم ملايين المواطنين يوميًا إلى دعم وتحديث وصيانة. الأولوية يجب أن تكون لما يخدم الأغلبية، ويخفض تكلفة المعيشة، ويزيد إنتاجية الاقتصاد، ويحقق عائدًا واضحًا، لا لما يمنح صورة افتتاحية عابرة.

التوصية السادسة هي إعادة الاعتبار لمترو الأنفاق باعتباره العمود الفقري للنقل الحضري في القاهرة الكبرى، مع وقف منطق تحميل المواطن وحده تكلفة التوسع والتشغيل. المطلوب منظومة تسعير عادلة، واشتراكات اجتماعية مرنة، ودعم موجه للطلاب وكبار السن وذوي الدخل المحدود، وتوسيع موارد المترو من الإعلانات والاستثمار التجاري حول المحطات بدل رفع التذاكر وحدها.

التوصية السابعة هي إنقاذ السكك الحديدية بوصفها مرفقًا وطنيًا لا مجرد شركة تشغيل. وهذا يتطلب تطوير الإشارات والسلامة والصيانة والتدريب والحوكمة، لكنه يتطلب أيضًا إعادة السكك الحديدية إلى قلب الاقتصاد. ينبغي زيادة نصيبها في نقل البضائع، وربطها بالموانئ والمناطق الصناعية والزراعية، وتحديث خطوط الصعيد والدلتا لا الاكتفاء بالمشروعات الأكثر ظهورًا إعلاميًا.

التوصية الثامنة هي وضع سياسة قومية لنقل البضائع، لأن تكلفة نقل السلع في مصر تؤثر مباشرة في أسعار الغذاء والصناعة والتصدير. لا يجوز أن تبقى الشاحنات وحدها هي العمود الرئيسي لحركة البضائع. السكك الحديدية والنقل النهري والموانئ الجافة يجب أن تصبح جزءًا أساسيًا من منظومة تخفض تكلفة النقل، وتخفف الضغط على الطرق، وتقلل الحوادث واستهلاك الوقود.

التوصية التاسعة هي إعادة إحياء النقل النهري بعقل حديث لا بشعارات قديمة. النيل ليس منظرًا طبيعيًا فقط، بل يمكن أن يكون ممرًا اقتصاديًا إذا توفرت المراسي الحديثة، ونظم السلامة، وربط الموانئ النهرية بالمناطق الصناعية والزراعية. دول كثيرة أقل امتلاكًا للمجاري المائية استفادت منها أكثر مما فعلنا نحن، وهذه واحدة من المفارقات التي يجب أن تنتهي.

التوصية العاشرة هي إنشاء نظام وطني موحد للتذاكر والمدفوعات يربط المترو والقطارات والحافلات والمونوريل ووسائل النقل الجماعي المختلفة. المواطن لا يريد أن يتنقل بين جزر إدارية منفصلة، بل يريد رحلة سهلة، وتكلفة معقولة، ومعلومة دقيقة. التذكرة الموحدة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل عنوان على وجود منظومة لا مجرد مشروعات متجاورة.

التوصية الحادية عشرة هي اعتماد النقل الذكي كسياسة إدارة لا كواجهة إلكترونية. المطلوب مركز وطني لإدارة الحركة في المدن الكبرى، يعتمد على البيانات الحية، وإشارات ذكية، ومعلومات فورية للركاب، وتحليل مستمر للاختناقات، وتخطيط قائم على الأرقام لا الانطباعات. القاهرة لا تحتاج إلى طرق أكثر فقط، بل إلى عقل يدير ما لديها قبل أن يضيف إليه.

التوصية الثانية عشرة هي ربط النقل بالتخطيط العمراني. كثير من أزمات القاهرة نشأ لأن السكن والعمل والخدمات تحركت في اتجاهات غير متوازنة. المدن الجديدة لا تنجح بالمباني وحدها، بل بنقل يربطها بمصادر العمل والتعليم والخدمات. وكل مجتمع عمراني جديد لا يملك خطة نقل جماعي حقيقية يصبح عبئًا إضافيًا على الطرق والسيارات والوقود.

التوصية الثالثة عشرة هي اعتماد معيار العدالة المكانية في توزيع الاستثمارات. لا يجوز أن يظل النصيب الأكبر من الإنفاق محصورًا في القاهرة والعاصمة الإدارية وبعض المحاور الكبرى، بينما تعاني محافظات في الدلتا والصعيد وسيناء والواحات من ضعف الربط والخدمة. النقل العادل لا يقرب المسافات فقط، بل يقرب الفرص.

التوصية الرابعة عشرة هي مراجعة عقود القروض والتمويل المرتبطة بمشروعات النقل الكبرى، ووضع سقف واضح للمخاطر المالية. الاقتراض ليس خطيئة إذا كان لمشروع منتج، لكنه يصبح خطرًا إذا غابت الشفافية أو ضعف العائد. مصر لا تحتاج إلى أعباء جديدة معلقة على رقاب الأجيال، بل إلى استثمارات قادرة على دفع أقساطها من أثرها الاقتصادي الحقيقي.

التوصية الخامسة عشرة هي فتح الباب أمام شراكات أوسع مع القطاع الخاص، لكن بشروط واضحة تحمي المرفق العام والمواطن. الشراكة لا تعني بيع الخدمة لمن يدفع أكثر، ولا نقل المخاطر إلى الدولة والأرباح إلى المستثمر. الشراكة الرشيدة هي التي توزع المخاطر بعدالة، وتضمن جودة الخدمة، وتحافظ على أسعار محتملة للفئات الأقل دخلًا.

التوصية السادسة عشرة هي الاستثمار في الإنسان داخل قطاع النقل. فلا قيمة لقطار حديث مع سائق غير مدرب، ولا لمحطة جميلة مع إدارة ضعيفة، ولا لنظام ذكي مع موظفين لا يملكون أدواته. التدريب، والسلامة المهنية، وثقافة الخدمة، وحوكمة التشغيل، كلها عناصر لا تقل أهمية عن الخرسانة والحديد.

التوصية السابعة عشرة هي جعل السلامة معيارًا حاكمًا لا بندًا تابعًا. حوادث الطرق والقطارات ليست أقدارًا عمياء. جزء كبير منها يرتبط بالإدارة والصيانة والرقابة والتدريب وسلوك المستخدمين. مصر تحتاج إلى هيئة مستقلة لسلامة النقل تراجع الحوادث وتحلل أسبابها وتعلن نتائجها وتفرض معايير لا تخضع للمجاملات.

التوصية الثامنة عشرة هي ربط النقل بسياسة بيئية واضحة. فالعالم يتجه إلى النقل منخفض الانبعاثات، وإلى الحافلات الكهربائية، وإلى تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة داخل المدن. ومصر التي تعاني من التلوث والزحام وارتفاع تكلفة الوقود لا تستطيع أن تؤجل هذا التحول، لكنها يجب أن تنفذه بعقل اقتصادي لا بدعاية مؤقتة.

التوصية التاسعة عشرة هي بناء قاعدة بيانات عامة للنقل في مصر. كم ينفق المواطن على الانتقال؟ كم يستغرق في رحلته اليومية؟ كم تبلغ تكلفة نقل طن من البضائع بين الميناء والمصنع؟ كم تخسر القاهرة من ساعات الزحام؟ لا يمكن إدارة ما لا نعرفه بدقة. والدولة الحديثة لا تدار بالانطباع بل بالقياس.

التوصية العشرون هي إعادة الاعتبار للرقابة البرلمانية والمجتمعية على مشروعات النقل. فالمجلس النيابي لا يجب أن يكون مصفقًا للمشروعات بعد إعلانها، بل شريكًا في مناقشة أولوياتها وتمويلها وأثرها. والمجتمع لا ينبغي أن يعرف بعد التنفيذ ما كان يجب أن يعرفه قبله.

هذه التوصيات ليست قائمة أمنيات، بل محاولة لبناء عقل جديد في إدارة النقل. عقل يدرك أن الطريق ليس مجرد أسفلت، وأن القطار ليس مجرد عربة، وأن الميناء ليس مجرد رصيف، وأن المترو ليس مجرد تذكرة. كلها أدوات في مشروع أكبر اسمه الدولة القادرة العادلة المنتجة.

مصر الممكنة 2030 ليست مصر التي تبني أكثر فقط، بل مصر التي تختار أفضل. ليست مصر التي تقترض أكثر، بل التي تستثمر أذكى. ليست مصر التي تفتتح مشروعات أكثر، بل التي تحل مشكلات أكثر. وليست مصر التي تتحرك في الصور، بل التي يتحرك فيها المواطن بكرامة، والاقتصاد بكفاءة، والبضائع بسرعة، والفرص بعدالة.

لهذا أختم هذا الباب بسؤال لا أظنه سؤالًا عن النقل وحده: هل نريد دولة مشروعات أم دولة سياسات؟ دولة طرق أم دولة اتجاه؟ دولة تتحرك كثيرًا أم دولة تعرف إلى أين تتحرك؟ الفارق بين هذه الأسئلة هو الفارق بين الإنفاق والتنمية، وبين الحركة والتقدم، وبين مصر الممكنة ومصر التي ما زالت تبحث عن طريقها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى