شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: سلام لبنان، صديقي في خطر

لبنان ليس عندي خبرًا يمر في شريط عاجل، ولا بندًا في قراءة إقليمية باردة. لبنان صديق قديم، وبيت عرفته من الداخل، وبلد عشت بين أهله وقياداته وزعاماته ورموزه، بين جباله وهضابه وسهوله، بين لطف شعبه، وعروبة مزاجه العام، ووطنية رموزه السياسية، وتلك القدرة اللبنانية العجيبة على تحويل الجرح إلى أغنية، والخسارة إلى نكتة، والانقسام إلى مائدة لا تخلو من الأمل.

لهذا أقرأ ما يجري في لبنان اليوم بقلق لا يشبه قلق المراقب، بل وجع من يعرف أن هذا البلد الصغير أكبر من خرائطه، وأرق من أن يحتمل وصفات قاسية تصنع له سلامًا على الورق، وتترك في قلبه قنبلة مؤجلة. الاتفاق الإطاري الأمريكي الإسرائيلي اللبناني، وما تبعه من رفض واضح من حزب الله وقلق في بيئته، لا يمكن التعامل معه كترتيب أمني محض. لبنان لا يعيش على الورق وحده؛ يعيش في الذاكرة، والطوائف، والقرى، والبيوت المفتوحة على الخوف، والجنوب الذي يعرف معنى النار أكثر مما يعرفه المفاوضون في القاعات البعيدة.

الدولة اللبنانية تحتاج سيادتها كاملة. هذه حقيقة لا تحتمل المجاملة ولا الالتفاف. لا ينهض وطن بقرارين، ولا تستقيم دولة إذا ظل قرار الحرب والسلام خارج مؤسساتها. غير أن استعادة السيادة لا تجوز أن تبدو في وعي شريحة واسعة من اللبنانيين كأنها إملاء خارجي، أو مكسب إسرائيلي، أو تسوية تأتي من فوق رؤوس الناس. السيادة التي تولد بإحساس الهزيمة لدى فريق لبناني لا تكتمل، والسلام الذي يشعر بعض أهله أنه صمم ضدهم لا يستقر.

حزب الله، أو المقاومة اللبنانية كما يراها جزء معتبر من اللبنانيين والعرب، لم يعد مجرد عنوان عسكري أو سياسي يمكن حله بجملة في اتفاق. هو عقدة لبنانية وإقليمية مركبة، فيها ذاكرة مقاومة، وفيها عبء سلاح، وفيها خوف طائفي، وفيها نفوذ إقليمي، وفيها فراغ دولة طال أكثر مما ينبغي. من يتعامل مع هذه العقدة كزر يضغط عليه من الخارج لا يعرف لبنان. ومن يتركها كما هي لا ينقذ لبنان. بين الإنكار والاستئصال طريق وطني صعب، لكنه الطريق الوحيد الممكن.

لبنان المنهك لا يحتمل حربًا أهلية جديدة باسم السلام، ولا سلامًا ناقصًا يتجاهل تعقيدات الداخل. البلد الذي دفع أثمان الحروب الأهلية، والاجتياحات، والاغتيالات، والانهيار المالي، وهجرة شبابه، وانكسار بيروت أكثر من مرة، لا يجوز أن يدفع مرة أخرى ثمن استعجال الخارج أو عناد الداخل. يحتاج لبنان إلى مسار لبناني أولًا، عربي السند، دولي الضمان، يعيد بناء الدولة دون أن يكسر المجتمع.

أخطر ما في أي اتفاق لا يكمن في نصه وحده، بل في المسافة بين النص والناس. قد تبدو العبارات متماسكة في واشنطن، وقد تبدو الضمانات مقنعة في نشرات الأخبار، لكنها قد تتفتت عند أول احتكاك في الجنوب، أو أول تشييع، أو أول خطاب يشعر جمهوره أن بلده يدار من خارجه. لبنان ليس رقعة شطرنج. لبنان وجوه وبيوت ومقاه وكنائس ومساجد وجبال وذاكرة وكرامة مجروحة لا تقبل أن تعامل كملحق أمني.

المطلوب ليس أن تنتصر صيغة أمريكية على سلاح لبناني، ولا أن ينتصر طرف داخلي على طرف آخر، بل أن ينتصر منطق الدولة على كل ما سواه. وهذا لا يتحقق بإذلال بيئة، ولا بتخوين مقاومة، ولا بتجاهل خوف اللبنانيين من إسرائيل، ولا بتأجيل سؤال السلاح إلى ما لا نهاية. الدولة لا تستعاد بالشماتة، ولا تبنى بالعقاب الجماعي، ولا تعود قوية إذا شعر جزء من مواطنيها أنها عادت لتنتقم منهم لا لتحتضنهم.

الجيش اللبناني ينبغي أن يكون القلب المؤسسي لهذا المسار، لا شاهدًا على تسويات الآخرين. يحتاج إلى دعم حقيقي، سياسي واقتصادي وعسكري، كي يصبح هو الضمانة الجامعة لا الواجهة الضعيفة. كما يحتاج لبنان إلى ضمانات صارمة ضد أي عدوان إسرائيلي، لأن نزع أسباب السلاح لا يبدأ فقط من داخل لبنان، بل من إزالة الذرائع الخارجية التي جعلت جزءًا من اللبنانيين يرى في السلاح ضرورة لا خيارًا.

عرفت في لبنان رجالًا ونساء من طوائف واتجاهات شتى، يختلفون حتى آخر الليل ثم يبتسمون في الصباح لبلدهم كأنهم يخافون عليه من قسوة أفكارهم. في هذا البلد شيء لا يراه المتعجلون: قابلية دائمة للحياة رغم كل الموت المحيط. لذلك أخشى على لبنان من سلام لا يصغي إلى موسيقاه الداخلية، ومن اتفاق لا يسمع رنين الجبال، ولا يرى تعب الأمهات في الجنوب، ولا قلق الشباب في بيروت، ولا ذاكرة اللاجئين، ولا كبرياء البلد الذي يرفض أن يكون ساحة دائمة للآخرين.

سلام لبنان الحقيقي يجب أن يشبه لبنان: متعددًا، حساسًا، شجاعًا، لا يكسر طائفة، ولا يكافئ سلاحًا خارج الدولة، ولا يمنح إسرائيل جائزة سياسية، ولا يترك الجنوب رهينة للخرائط الأمنية. سلام يفتح باب الدولة لا باب الثأر، ويعيد القرار إلى المؤسسات لا إلى الخارج، ويمنح الناس أمانًا لا مجرد هدنة، وكرامة لا مجرد ترتيبات، ومستقبلًا لا مجرد وقف مؤقت للنار.

صديقي لبنان في خطر، لا لأن الاتفاق سيئ بالضرورة، ولا لأن رفضه حكمة بالضرورة، بل لأن الطريق بين الاتفاق والقبول الوطني ما زال مليئًا بالألغام. الخطر أن يظن الخارج أن الضغط يكفي، وأن يظن الداخل أن الرفض يكفي، وأن يضيع البلد بين وصفة لا تقنع الجميع ومعادلة قديمة أنهكت الجميع. لبنان يحتاج اليوم إلى عقل بارد وقلب دافئ؛ عقل يعرف أن الدولة لا بد أن تعود، وقلب يعرف أن عودتها لا تكون فوق جراح الناس بل عبر شفائها.

سلام لبنان لا يصنعه المنتصرون وحدهم، بل يصنعه الخائفون عندما يجدون ضمانة، والمختلفون عندما يجدون شراكة، والمقاومون عندما يجدون دولة جديرة بالثقة، والدولة عندما تثبت أنها لا تعود لتنتقم بل لتجمع. عندها فقط يمكن للبنان أن يخرج من تلك الدائرة القاسية: مقاومة بلا دولة كاملة، ودولة بلا قدرة كاملة، وسلام بلا طمأنينة كاملة.

لبنان الذي أحببته بين الجبل والبحر لا يستحق سلامًا ناقصًا، ولا حربًا مؤجلة، ولا سيادة مشروطة، ولا مقاومة تبقى أبدًا بديلًا عن الدولة. يستحق دولة قوية عادلة، ومقاومة تدخل في معنى الدولة لا خارجها، وشعبًا لا يطلب من أبنائه أن يختاروا بين الكرامة والأمان. سلام لبنان، صديقي في خطر، لكن لبنان الذي عرفته علمني أن الخطر لا يلغي الأمل، وأن الشعوب الصغيرة في المساحة قد تكون كبيرة بما يكفي لتنجو من وصفات الكبار.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى