د. أيمن نور يكتب: من الإسكندرية إلى أسوان… كيف تصبح مصر مركزًا لوجستيًا عالميًا؟. مصر الممكنة 2030 (28) النقل في مصر الممكنة (5)

اعتادت مصر عبر تاريخها الطويل أن تنظر إلى موقعها الجغرافي باعتباره هبة استثنائية. فهنا يلتقي البحران، وهنا تمر واحدة من أهم الممرات الملاحية في العالم، وهنا تتقاطع طرق التجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. لكن التجربة التاريخية تعلمنا أن الموقع وحده لا يصنع الثروة، تمامًا كما أن امتلاك الأرض الخصبة لا يصنع بالضرورة نهضة زراعية، وامتلاك الموارد الطبيعية لا يصنع تلقائيًا اقتصادًا قويًا.
الموقع يمنح الفرصة.
أما تحويل الفرصة إلى قوة اقتصادية فذلك يحتاج إلى رؤية وإدارة واستثمار طويل النفس.
خلال سنوات العمل السياسي والبرلماني كنت أستمع كثيرًا إلى الحديث عن “الموقع الاستراتيجي لمصر”. وكانت العبارة تتكرر في الخطابات الرسمية والبرامج الاقتصادية والندوات العامة. لكن السؤال الذي ظل يراودني دائمًا كان أكثر بساطة: إذا كان الموقع بهذه الأهمية، فلماذا لا ينعكس ذلك بالقدر الكافي على حياة المصريين واقتصادهم؟
الإجابة تكمن في الفارق بين الدولة التي تمتلك موقعًا مهمًا، والدولة التي تعرف كيف تستثمر هذا الموقع.
العالم لا يكافئ الجغرافيا وحدها.
العالم يكافئ الكفاءة.
فكم من دول صغيرة المساحة نجحت في أن تصبح مراكز عالمية للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية رغم محدودية مواردها الطبيعية.
سنغافورة مثال واضح.
ودبي مثال آخر.
وهولندا تقدم نموذجًا أكثر عمقًا.
فميناء روتردام لم يصبح الأكبر في أوروبا لأن هولندا أكبر دول القارة، بل لأنه جزء من منظومة متكاملة تربط الموانئ بالسكك الحديدية والطرق والمناطق الصناعية والخدمات المالية والتجارية.
حين ننظر إلى مصر نجد أن الإمكانات المتاحة هائلة.
قناة السويس وحدها يمر عبرها جزء مهم من التجارة العالمية.
الموانئ المصرية تمتد على البحرين الأحمر والمتوسط.
موقع البلاد يجعلها نقطة عبور طبيعية بين ثلاث قارات.
السوق المحلية ضخمة.
وشبكات الطرق شهدت توسعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل تحولت هذه العناصر إلى منظومة لوجستية متكاملة؟
أم أنها ما زالت تعمل في كثير من الأحيان كجزر منفصلة؟
النقل الحديث لم يعد يقاس بعدد الطرق أو الموانئ فقط.
الاقتصاد العالمي يتحدث اليوم بلغة سلاسل الإمداد.
أي أن قيمة الميناء لا تقاس فقط بعدد السفن التي ترسو فيه، بل بسرعة انتقال البضائع منه إلى المصانع والأسواق.
وقيمة الطريق لا تقاس فقط بطوله، بل بقدرته على الربط بين مراكز الإنتاج والتصدير.
وقيمة السكك الحديدية لا تقاس بعدد القطارات، بل بدورها في خفض تكلفة النقل وزيادة تنافسية الاقتصاد.
من هنا فإن مستقبل النقل في مصر لا يرتبط فقط بمشروعات الطرق والكباري التي شغلت الرأي العام خلال السنوات الماضية، بل يرتبط بصورة أكبر بقدرة الدولة على بناء منظومة لوجستية متكاملة.
منظومة تبدأ من الميناء ولا تنتهي عند المستهلك.
وتبدأ من المصنع ولا تنتهي عند السفينة.
وتبدأ من المزرعة ولا تنتهي عند الأسواق الخارجية.
خلال العقدين الأخيرين تحولت الخدمات اللوجستية إلى واحدة من أكثر القطاعات تأثيرًا في القدرة التنافسية للدول. وفي بعض الاقتصادات المتقدمة أصبحت تكلفة النقل والتخزين وسرعة التسليم عوامل لا تقل أهمية عن تكلفة الإنتاج نفسها.
ولهذا فإن الدول التي نجحت في تحسين كفاءتها اللوجستية نجحت أيضًا في جذب الاستثمارات وزيادة الصادرات وخلق فرص عمل جديدة.
مصر تمتلك فرصة تاريخية في هذا المجال.
فالعالم يشهد تحولات مهمة في خرائط التجارة وسلاسل التوريد.
والشركات الدولية تبحث بصورة متزايدة عن مواقع قريبة من الأسواق الأوروبية والشرق أوسطية والأفريقية.
وهذا يمنح مصر ميزة يصعب تجاهلها إذا أحسنت استغلالها.
لكن الفرصة وحدها لا تكفي.
من واقع متابعتي للملف الاقتصادي خلال سنوات طويلة، أرى أن أحد أوجه القصور التقليدية كان التركيز على كل مشروع منفردًا أكثر من التركيز على العلاقة بين المشروعات.
ميناء هنا.
وطريق هناك.
ومنطقة صناعية في مكان ثالث.
لكن القيمة الحقيقية لا تتولد من كل عنصر على حدة.
بل من الترابط بينها جميعًا.
وهذا هو جوهر الاقتصاد اللوجستي الحديث.
على سبيل المثال، لا يكفي تطوير ميناء بحري إذا استغرق نقل الحاويات منه إلى المناطق الصناعية وقتًا طويلًا أو تكلفة مرتفعة.
ولا يكفي إنشاء منطقة صناعية متطورة إذا لم تكن مرتبطة بشبكة نقل فعالة.
ولا يكفي تطوير الطرق إذا بقيت الموانئ أو السكك الحديدية تعمل بكفاءة أقل من المطلوب.
فالمنظومة الحديثة تقاس بأضعف حلقاتها.
كما أن ملف النقل النهري يستحق اهتمامًا أكبر بكثير مما يحظى به حاليًا. فمن المفارقات أن دولة يمتد فيها نهر النيل مئات الكيلومترات ما زالت تعتمد بصورة محدودة نسبيًا على النقل النهري مقارنة بإمكاناته الحقيقية.
وفي كثير من الدول يمثل النقل المائي أحد أرخص وسائل نقل البضائع وأكثرها كفاءة من الناحية البيئية.
وهو مجال يمكن أن يخفف الضغط على الطرق ويخفض التكلفة على الاقتصاد الوطني.
ومن القضايا المهمة أيضًا الربط بين الموانئ المصرية نفسها. فالمنافسة العالمية لم تعد بين ميناء وآخر داخل الدولة الواحدة، بل بين شبكات متكاملة من الموانئ والخدمات اللوجستية.
وكلما زادت درجة التكامل والتخصص ارتفعت القدرة التنافسية للاقتصاد ككل.
خلال المناقشات البرلمانية المتعلقة بالتنمية الاقتصادية كان يتكرر الحديث عن جذب الاستثمار الأجنبي. لكن الحقيقة أن المستثمر لا ينظر فقط إلى الحوافز الضريبية أو القوانين. بل ينظر أيضًا إلى سرعة نقل المواد الخام، وتكلفة الشحن، وسهولة الوصول إلى الأسواق، وكفاءة الموانئ والخدمات اللوجستية.
ولهذا فإن تحسين منظومة النقل ليس فقط سياسة خدمية، بل سياسة استثمارية من الدرجة الأولى.
ومن بين المقترحات التي أراها ضرورية حتى عام 2030 إنشاء “الهيئة الوطنية للتكامل اللوجستي” بحيث تتولى التنسيق بين الموانئ والسكك الحديدية والطرق والمناطق الصناعية ومراكز التوزيع.
فالمشكلة ليست نقص المؤسسات، بل الحاجة إلى رؤية موحدة تجمعها.
كما أقترح التوسع في إنشاء الموانئ الجافة والمناطق اللوجستية الداخلية، بحيث لا تظل الموانئ البحرية وحدها نقطة الاختناق الرئيسية. فهذه المراكز أثبتت نجاحها في دول عديدة لأنها تسمح بتوزيع الحركة التجارية وتقليل الضغط على الموانئ الرئيسية.
ومن المهم كذلك إعطاء أولوية أكبر لنقل البضائع بالسكك الحديدية. فمصر أنفقت مليارات الجنيهات على تطوير الطرق، لكن استمرار الاعتماد المفرط على الشاحنات وحدها يرفع التكلفة الاقتصادية ويزيد من استهلاك الوقود ويضغط على البنية الأساسية.
والاقتصادات الحديثة تعتمد على مزيج متوازن من وسائل النقل لا على وسيلة واحدة.
مصر الممكنة التي نتطلع إليها عام 2030 ليست مجرد دولة تمر عبرها التجارة العالمية، بل دولة تستفيد من مرور هذه التجارة. ليست مجرد نقطة عبور، بل مركزًا للإنتاج والخدمات والتوزيع والصناعة.
وهذا هو الفارق بين الجغرافيا كقدر، والجغرافيا كمشروع.
وإذا نجحت مصر في بناء هذه المنظومة المتكاملة، فإن موقعها الجغرافي سيتحول من ميزة نظرية نتحدث عنها في الخطابات إلى قوة اقتصادية حقيقية تنعكس على الاستثمار والتشغيل والدخل والنمو.
وحينها فقط يمكن القول إن مصر لم تعد تقع في قلب العالم فحسب، بل أصبحت تستفيد من وجودها فيه.
الحلقة القادمة:
النقل في مصر الممكنة 2030… من المشروعات إلى المنظومة







