مقالات وآراء

د. تامر المغازي يكتب: سراب السياسة وعروض تقسيط اليأس (4)

طيب، بعد ما قعدنا في قهوة الوطن وشربنا شاي السلف، وقمنا من على الكرسي المخلوع اللي اسمه “المشاركة الشعبية”، قررنا نمشي.

مشي ليل، على ضوء لمبة جاز موديل “الإصلاح التشريعي”.

قدامنا صحرا واسعة، وفي الآخر لمبة حمرا بترفرف.

“أكيد دي واحة”، قلت لنفسي، “أو ممكن فندق خمس نجوم اسمه العدالة الاجتماعية”.

وصلت، لقيت لمبة مكتوب عليها بخط كبير: “هيئة مكافحة الفساد — فرع التظلمات”.

تدخل، تلاقي موظف نايم على مكتبه، قدامه كومبيوتر قديم شاشته زرقا، ومكتوب عليه خطأ في النظام.

تصحيه من النوم وتسأله: “لو سمحت، أنا جاي أبلغ عن فساد”.

يبصلك بصة واحد عايش في الزمن الجميل ويقولك: “فساد إيه يا أستاذ؟

إحنا هنا بنستقبل شكاوى، إنما الفساد ده في هيئة تانية، اسمها هيئة إعادة تدوير الضمائر”.

تخرج، تمشي شوية، تلاقي لافتة كبيرة: “مؤتمر الشباب — الدورة رقم ٩٥”.

القاعة مليانة شباب، كلهم لابسين بدل وحاطين كريمات شعر، وماسكين ميكروفونات.

بس الغريب إن كل ما حد يتكلم، الصوت بيطلع بصوت حد تاني خالص.

الشاب بيحرك بقه، والصوت اللي طالع يقول: “سيادة الرئيس… أدامك الله… نحن معك…”.

تسأل اللي جنبك: “هو الصوت مش بتاعه؟”.

يبصلك برعب ويقولك: “إنت عاوز تخرب علينا المؤتمر؟ الصوت ده وطني، إوعى تشكك في الصوت!”.

تهرب من المؤتمر، وتقرر إنك ترجع البيت.

بس إنت ناسي إن عنوان بيتك اتغير بمرسوم قانون اسمه “إعادة هيكلة الواقع”.

فجأة بتلاقي نفسك قدام سرادق كبير، مكتوب عليه “لجنة الحوار الوطني — مدخل الخلف”.

تدخل من المدخل، تلاقي طاولة مستديرة، قاعد حواليها ناس كلهم بيشبهوا بعض.

بيقولوا إنهم بيمثلوا كل أطياف المجتمع: التيار المدني، التيار العسكري، التيار اللي مابينهم، والتيار اللي مابين اللي مابينهم.

كلهم متفقين على حاجة واحدة بس إنك إنت اللي غلطان.

تسألهم: “طب إيه الحل؟”، يقوم واحد منهم لابس نظارة سودا في ضلمة السرادق، ويقولك بثقة: “الحل في السراب الجديد يا أخي.

إحنا بنحضّرلك سراب مختلف المرة دي.

سراب بالذكاء الاصطناعي، بتقدر تتفاعل معاه وتحبه وتنتخبه، وهو بيرد عليك بإيموجي العلم”.

تخرج من السرادق، وتقرر إنك متكلمش تاني.

تقفل فمك، وتقفل عينيك، وتقفل ودانك، وتكتفي إنك تمشي في الصحرا من غير ما تبص للسراب.

بس الصحرا نفسها تبدأ تكلمك: مش هترجع بقى؟

أنا عملتلك خصم ٣٠٪ على الضياع، وعروض تقسيط على اليأس لحد آخر العمر”.

وهنا، تفتح عينيك، وتلاقي نفسك على قهوة “الوطن” تاني.

نفس الكراسي المكسرة، نفس الجرسون اللي اختفى، ونفس القايمة اللي فيها أكلات مالهاش وجود.

تطلب حسابك، يقولك الجرسون: “الحساب اتدفع من سنين، إنت بس اللي مصمم تدفع تاني”.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى