مقالات وآراء

د.محمد عماد صابر يكتب: فقه المدافعة الصامتة.. كيف يعيد التاريخ صياغة موازين القوة لصالح أمة الوسط؟

وسط ضجيج الحروب وهول الدماء الجارية، تضيع من الكثيرين الرؤية الصحيحة لعمق التحولات التاريخية.
إن تصريحات الساسة الغربيين التي تربط بقاء كيانات بأشخاص، وأسئلة كبريات الصحف الأمريكية مثل “نيوزويك” حول “إمكانية بقاء إسرائيل على قيد الحياة”، ليست مناورات إعلامية، بل تعبير عن أزمة وجودية يمر بها المشروع الاستعماري التوسعي. إنها علامات تخبرنا أن عالمًا قديمًا يتهاوى، وأن فجرًا جديدًا يبزغ من رحم الصخر.

سقوط خرافة “التفوق الحاسم”


لقد قام الاستعمار الأوروبي سابقاً على “الفجوة التسليحية المطلقة”؛ حين اجتاح العالم بمدافع ورشاشات “ماكسيم” أمام شعوب تقاتل بالسهام والرماح، فكانت القوة العسكرية وحدها كفيلة برسم خرائط “سايكس بيكو”.
أما اليوم، فقد تبدلت السنن؛ إذ ضيّقت التكنولوجيا الحديثة، والصواريخ المسيرة الرخيصة، والأسلحة الذكية، الفجوة بين القوى الكبرى والكتل العقائدية الناشئة. وما الهزائم المتتالية التي تجرعها الكبار في فيتنام، والعراق، وأفغانستان، وطرد قوى تقليدية من غرب إفريقيا، إلا دليلاً قاطعاً على أن “غرور القوة” يتكسر اليوم أمام صخرة الإرادة، وأنه لم يعد في هذه الأمة من يرفع الراية البيضاء.

“منهج الرشد والاستيقاظ بالإكراه”


يمر العالم الإسلامي اليوم بمرحلة “استعادة القوة بالإكراه”. فالنوازل لم تزد الشعوب إلا صلابة ونضجاً، وجعلت من المستحيل على العقول التي أدمنت الخذلان أن تستمر في قيادة المشهد. الصراعات لا ترحم، ومن يرفض مواجهة التحديات بعلم وعقيدة وعدالة ستقتلعه العواصف.
وهنا يتجلى “منهج الرشد” ؛ وهو الوعي بالسنن الإلهية والكونية، والجمع بين طاقة الوحي الساكنة في القلوب وبين الأخذ بأسباب القوة المادية، لرؤية النصر في الصمود وتفكك جبهة الأعداء وانفضاض الحلفاء من حولهم. إن الضمانة الكبرى لمستقبل هذا الدين هي أن الله جعلنا {أُمَّةً وَسَطًا}؛ والوسطية هنا هي مركز العدل والشهادة على الناس كلما تاهت البشرية في ظلمات المادية والتوحش.
ومن بشائر هذا التحول، بروز أصوات ومرشحين يرفضون علانية تمويل اللوبيات الصهيونية (مثل أيباك) في الانتخابات التشريعية الأمريكية، وهو تصدع صامت في جدار الإمبراطورية.

“خارطة الطريق: تحويل الأمل إلى واقع معاش”
لكي لا يظل الأمل شعاراً، لا بد من الانتقال من الانتظار إلى الفعل الإستراتيجي التراكمي عبر ثلاثة مستويات:
أولاً: دور الفرد (صناعة اللبنة الأساسية)
• التحرر من متلازمة العجز: التوقف عن جلد الذات واستهلاك الأخبار لمجرد الإحباط، وتوطين النفس على أن المعركة معركة نَفَس طويل.
• الاستحقاق والتمكين الذاتي: امتلاك مهارات العصر وأدواته (التكنولوجية، العلمية، الإدارية) وسد الثغور التخصصية بنية نصرة الأمة.
• المقاطعة الشاملة الممنهجة: تحويل المقاطعة الاقتصادية إلى سلوك دائم وبديل وطني مستدام، فكل إنفاق مالي هو بمثابة “تصويت سياسي”.

ثانياً: دور النخب (عقول الأمة وصناع وعيها)


• صناعة “الرواية البديلة”: تفكيك السردية الاستعمارية التي تحاول تصوير الباطل كقوة لا تُقهر، ونشر حقائق التصدع الجاري في معسكر الأعداء.
• التأصيل الشرعي لفقه السنن: إخراج الجماهير من دائرة انتظار “المعجزات الخارقة” إلى دائرة فهم التدافع التراكمي والصبر الإستراتيجي.
• مد الجسور الدولية: اختراق الساحات العالمية والمنصات الحقوقية والأكاديمية الغربية لمحاصرة قوى الاحتلال والظلم قانونياً ومعرفياً.

ثالثاً: خطوات عملية إستراتيجية

  1. الشبكات المرنة والعمل اللامركزي: تأسيس روابط تخصصية تجمع الكفاءات (إعلام، هندسة، تقنية، طب) لتبادل الخبرات وتوجيه الدعم المرن لخطوط المواجهة بعيداً عن مقص الرقيب.
  2. الاستثمار في الوعي الجيلي (حاضنات الرشد): بناء مناهج تربوية موازية داخل الأسرة والمؤسسات الأهلية تركز على غرس “عقيدة العزة” ومفهوم “الأمة الوسط”.
  3. الابتكار الاقتصادي والتكنولوجي الذاتي: توجيه الأوقاف وأموال التبرعات والزكاة نحو “صناديق دعم البحث العلمي والابتكار التقني البسيط”. إن امتلاك منظومات تكنولوجية ذاتية رخيصة ومؤثرة هو خط الدفاع الأول عن أمن الأمة.

“خلاصة القول ياعزيزى”

  • بارك الله في كل مسلم ينشر الثبات ويقطع دابر الوهن.
  • إن العاصفة القادمة لن يثبت فيها إلا من كان راسخ القدم بعلمه وعقيدته وعدالته.
  • الأمل الحقيقي هو عمل يومي يضيف لبنة في جدار القوة، والتاريخ يُكتب الآن بمداد من وعي وصمود، والدورة الحضارية القادمة تتحرك حتمياً لصالح أمة الوسط. {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى