من ذاكرة التاريخ: القصة الكاملة للمحاكمة العسكرية للصحفي الحر أبو الخير نجيب

تزخر الذاكرة الوطنية المصرية بصفحات ناصعة وأخرى شديدة القسوة في تاريخ الصحافة الحرة، وتأتي قصة الصحفي الجريء أبو الخير نجيب لتكشف عن حجم الممارسات القمعية والتنكيل الممنهج الذي واجهه أصحاب الأقلام الحرة في مواجهة تقلبات السُلطة، سواء في العهد الملكي أو في أعقاب أحداث تموز 1952، وتوضح السجلات التاريخية الموثقة أن أبو الخير نجيب دفع ضريبة باهظة من حريته وحياته لمجرد أنه صدح بكلمة حق، ورفض بوضوح الصمت أمام انحرافات السُلطة الحاكمة، مما جعله نموذجًا استثنائيًا للصحفي الذي دفع حياته ثمنًا لرفض الإملاءات الفوقية والتمسك بمبادئ الشرف المهني.
وتعود البدايات الميدانية لصدام الصحفي الراحل مع السُلطة الملكية إلى تاريخ 6 كانون الثاني 1948، عندما سطر مقالاً ناريًا شهيرًا بجريدة النداء حمل عنوان “التيجان الهاوية”، وجاء هذا المقال تعليقًا على خبر تنازل الملك ميشيل ملك رومانيا عن العرش، لكن أبو الخير نجيب تعمد توجيه رسالة مبطنة وشديدة اللهجة إلى الملك فاروق، محذرًا إياه من مغبة تجاوز الحدود الدستورية، حيث كتب قائلاً: “ما قصة الملك ميشيل إلا قصة كل ملك مغامر لا يعرف لنفسه حدودًا، فإذا هوى بنفسه إلى مستوى السياسة، فقد حصانته، وأصبح كأي رجل من رجال الشارع”، وهو المقال الذي فجر بركانًا من الغضب داخل أروقة القصر الملكي.
واهتزت جدران السراي الملكية فور صدور المقال، وصدرت أوامر فورية من الجهات الأمنية باعتقال أبو الخير نجيب ومصادرة جميع نسخ جريدة النداء من الأسواق والمطابع، وإحالته مباشرة إلى نيابة الصحافة بتهمة العيب في الذات الملكية، ورغم صدور قرار قضائي رسمي بالإفراج عنه، إلا أن السلطات التنفيذية تعمدت ضرب القانون بعرض الحائط وتجاهلت القرار القضائي لاستمرار احتجازه، ولم يتم إطلاق سراحه إلا بعد أن تدخل النقراشي باشا شخصيًا وهدد بتقديم استقالة الحكومة بالكامل احتجاجًا على هذا التغول الأمني، مما أجبر القصر على الانصياع والإفراج عن الصحفي.
ولم يتراجع أبو الخير نجيب عن خطه النضالي بعد هذه التجربة المريرة، بل أسس بعد ذلك جريدة “الجمهور المصري”، واستمر في ملاحقة أوجه القسوة والفساد دون أن يخشى سُلطانًا أو حاكمًا، وبعد تبدل المشهد السياسي وقيام حركة تموز 1952، واصل هجومه الضاري على الانحرافات مطالبًا بسيادة القانون وإرساء حرية الصحافة، وعندما اندلعت أزمة آذار 1954 الشهيرة بين الرئيس محمد نجيب ومجلس قيادة الثورة، كتب مقالاً تاريخيًا بعنوان “النسور الهاوية”، طالب فيه بصراحة ودون مواربة بعودة الضباط والجيش إلى الثكنات العسكرية وتسليم مقاليد الحكم بالكامل للشعب.
وجاءت العواقب هذه المرة أشد وطأة وأكثر تنكيلاً من العهد الملكي، حيث حُوكم عسكريًا بشكل عاجل بتهمة “الخيانة العظمى”، وصدر ضده في عام 1954 حكم عسكري جائر بالإعدام شنقًا، خُفف لاحقًا تحت وطأة الضغوط إلى الأشغال الشاقة المؤبدة مع التجريد الكامل من شرف المواطنة، وتوثق صورة نادرة تعود لعام 1954 لحظات قاسية للصحفي داخل المعتقل وهو مكبل بالسلاسل الحديدية الثقيلة والأغلال لكنه شامخ الرأس، وقضى أبو الخير نجيب خلف أسوار السجون 19 عاماً متواصلة من العذاب، حتى صدر قرار بالإفراج الصحي عنه في عهد الرئيس محمد أنور السادات بعد تدهور حالته البدنية بشكل كامل.
ولم يمهل القدر الصحفي الحر طويلاً بعد خروجه من غياهب السجون، إذ توفي إثر حادث سيارة غامض ومريب وقع مباشرة أمام مبنى نقابة الصحفيين بالقاهرة، ليرحل تاركًا علامات استفهام كبرى حول الحادث، وكأن دمه أبى إلا أن يسيل أمام بيت الصحفيين ليشهد على ثمن الكلمة الحرة، وتخليدًا لهذه المسيرة المأساوية الحافلة بالصمود، جسد الفنان فريد شوقي قصة حياته المريرة في فيلم سينمائي بعنوان “الهروب من الخانكة”، لتظل سيرة أبو الخير نجيب شاهدة عبر العصور على فترات التعتيم والملاحقة الأمنية التي طالت قادة الفكر والرأي في مصر.





