ذاكرة التاريخملفات وتقارير

من ذاكرة التاريخ: تفاصيل عملية اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات

تزخر الذاكرة الوطنية والتاريخية بالعديد من المحطات الدامية والأحداث المفجعة التي تركت أثرًا لا يمحى في وجدان الشعب المصري، ومن أبرز تلك المحطات التي يقف أمامها التاريخ شاهدًا على بشاعة الغدر، جريمة اغتيال النائب العام المصري الأسبق المستشار هشام بركات، التي وقعت أحداثها الصادمة في 29 حزيران 2015، وجاءت هذه العملية الإرهابية الخسيسة لتكشف عن المخططات الدموية التي قادتها التنظيمات المتطرفة لضرب مؤسسات الدولة ورجال القضاء العادل الذين وقفوا بحسم في مواجهة جماعات العنف والظلام، حيث تشير السطور التالية من ذاكرة التاريخ إلى كافة التفاصيل المحيطة بمسيرة هذا البطل الراحل والعملية الغادرة التي استهدفته والمحاكمات التاريخية التي اقتصت من الجناة.
وُلد المستشار هشام بركات في 21 تشرين الثاني 1950، وبدأ رحلته في محراب العدالة عقب تخرجه في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1973، حيث عُين وكيلًا للنائب العام وتدرج في المناصب القضائية بفضل كفاءته ونزاهته حتى اعتلى منصة القضاء رئيسًا بمحكمة الاستئناف، ولم يتوقف عطاؤه عند هذا الحد، بل انتُدب رئيسًا للمكتب الفني والمتابعة بمحكمة استئناف الإسماعيلية وقت نظر واحدة من أخطر القضايا وهي محاكمة المتهمين في أحداث استاد بورسعيد، كما تولى التحقيق وقراءة أوراق قضية هروب المساجين من سجن وادي النطرون، والتي كان من بين المتهمين فيها الرئيس المعزول محمد مرسي، لينتقل بعدها المستشار الراحل منتدبًا كرئيس للمكتب الفني بمحكمة استئناف القاهرة.
وتولى البطل الراحل منصب النائب العام لجمهورية مصر العربية في فترة عصيبة من تاريخ البلاد، امتدت من 10 تموز 2013 وحتى لحظة استشهاده، وخلال تلك الفترة الوجيزة واجه المستشار هشام بركات تنظيمات الإرهاب بشجاعة نادرة وأصدر حزمة من القرارات المصيرية والجريئة التي قصمت ظهر الجماعة الإرهابية، وكان من أبرزها إصدار قرار فض اعتصام رابعة العدوية المسلح، وإحالة الرئيس المعزول محمد مرسي إلى محكمة الجنايات، فضلاً عن إصدار قرارات قانونية بالتحفظ على أموال وممتلكات عدد كبير من قيادات وعناصر جماعة الإخوان، وهي القرارات التي جعلته الهدف الأول على قوائم الاغتيالات لدى تلك التنظيمات المسلحة التي سعت للانتقام من قاضي الشعب.
وفي صباح يوم 29 حزيران 2015، تحرك الموكب الخاص بالنائب العام من أمام منزله الكائن بشارع عمار بن ياسر بمنطقة النزهة بمحافظة القاهرة، وما إن قطع الموكب مسافة ضئيلة للغاية قُدرت بحوالي 200 متر فقط، حتى انفجرت سيارة ملغومة ومحملة بالمتفجرات كانت تقف على جانب الرصيف، مما أسفر عن موجة انفجارية هائلة دمرت الموكب تمامًا وأحدثت دمارًا واسعًا بالمنطقة المحيطة، وجرى على الفور نقل المستشار هشام بركات إلى مستشفى النزهة الدولي حيث خضع لعملية جراحية دقيقة وعاجلة في محاولة لإنقاذ حياته، إلا أن روحه الطاهرة فاضت إلى بارئها متأثرًا بجراحه البالغة، ليعلن المستشفى استشهاده صبيحة ذلك اليوم الأسود.
وجاءت هذه الجريمة النكراء بعد صدور سلسلة من الأحكام القضائية الرادعة خلال الأشهر السابقة للحادث ضد قادة وأعضاء جماعة الإخوان الإرهابية، وأعادت عملية الاغتيال الغادرة إلى الأذهان مباشرة حادث اغتيال المستشار أحمد الخازندار أمام منزله بمنطقة حلوان في 22 آذار 1948 على يد التنظيم الخاص للإخوان بعد إصداره حكمًا ضد كوادرهم بالإسكندرية، كما جاءت العملية بعد قرابة شهر واحد من قيام تنظيم “ولاية سيناء” الإرهابي، الذراع المسلح لتنظيم داعش، بدعوة أتباعه وعناصره إلى مهاجمة القضاة واستهدافهم إثر تنفيذ حكم الإعدام بحق 6 أفراد من عناصره الإرهابية الملاحقة قضائيًا.
ولم تذهب دماء الشهيد هدرًا، حيث سارعت أجهزة الأمن والعدالة إلى ملاحقة الجناة، وأصدرت محكمة جنايات جنوب القاهرة المنعقدة بمعهد أمناء الشرطة بطرة برئاسة المستشار حسن فريد، حكمها التاريخي والقصاص العادل في 22 حزيران 2017، وقضت المحكمة بالإعدام شنقًا لـ 28 متهمًا في القضية التي عُرفت إعلاميًا باسم “اغتيال النائب العام هشام بركات”، كما تضمن الحكم السجن المؤبد لـ 15 متهمًا، والسجن المشدد لمدة 15 عامًا لـ 8 متهمين، والسجن لمدة 10 أعوام لـ 15 متهمًا، مع انقضاء الدعوى الجنائية لمتهم واحد بسبب وفاته، وجدير بالذكر أن القضية شملت 51 متهمًا محبوسًا احتياطيًا و 16 متهمًا هاربًا تلاحقهم يد العدالة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى