
هل استعددنا إلى عام 2030 …سؤال مهم يتحتم أن يتطرق إليه كل من يحب هذا البلد…قلب العروبة النابض، ومركز ثقل المنطقة العربية برمتها، فمصر التي ليس هذا هو المكان لسرد مناقبها، تستحق دوما الأفضل والأكثر. يكفي فيها قول شاعر النيل حافظ إبراهيم “أنا إن قدر الإله مماتي لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي”.
الكلام عن عام 2030 هنا لا يتعلق بمستقبل التنمية الاقتصادية ولا بخطط التنمية المستدامة التي مردت على طرحه عديد المؤسسات المصرية الرسمية وغير الرسمية، وربما طُرح أيضا أمميا لمستقبل العالم.
السؤال يتعلق وبكل وضوح، الذي ربما لا يُريد البعض التحدث به، اعتمادا على أن الأمر يمس شخص الرئيس عبد الفتاح السيسي، هو الاستحقاق الرئاسي القادم لمصر. ففي العام 2030 سينتهي فعليا حكم الرئيس السيسي للبلاد، ومن ثم يتحتم التطرق للمستقبل من منظور علمي وحيادي صرف، ما يعنى عدم ربط الحديث بالمقام الرفيع لشخص “عبد الفتاح السيسي” قدر ما يتعلق بمقام الدولة المصرية ذاتها، وهو المقام الباقي وغير الزائل. من هنا فإن الحديث يرتبط بما هو أعم وأشمل من الحديث عن شخوص لهم علينا حق الاحترام.
مصر ليست مَلَكْيِة
ما يجعل للحديث هنا أهمية هي أن مصر بحكم الدستور دولة نظام حكمها جمهوري وليس ملكي، ومن ثم فإن تغيير رأس السلطة أمر حتمي، يتم عبر الانتخاب الحر وليس الوراثة أو المبايعة، بمعنى أن التغيير لا يتحتم كما يحدث في النظم الملكية ان يتم عبر أسم معروف مسبقا كولي عهد أو ما شابه.
لا شك عند كل مصري أن مصر جمهورية، وأنها لا تتشابه مع جمهوريات الموز التاريخية في أمريكا اللاتينية، أو بلدان الحزب الواحد في أفريقيا وآسيا عهد الاستقلال، عندما كانت الانقلابات العسكرية سيدة الموقف للخلافة السياسية، أو حتى مع بلدان عربية اعتادت التمديد والتأبيد كسوريا الأسدين وعراق صدام وتونس بن على…إلخ. فالانتخاب أصبح حقيقة واقعة، والتغيير وتداول السلطة في رأس هرم الدولة المصرية هو الحَكم الرئيس، والبلد لن تعدم أبدا وطني قدير بهذا المنصب.
دستور 2012 المعدل أكثر من مرة نظم تلك الأمور، فالمادة 140 (المعدلة عام 2014) وضعت أسس الترشيح عند انتهاء مدة الرئاسية (وهي المدة التي طالها التعديل عام 2019 بالمادة 241 مكرر). ومن ثم فإن المدة الدستورية لا يتحتم الاعتراض عليها لكونها بحجة عدم كفايتها لبرنامج موضوع، أو لأن البلاد تحتاج لشخص أمني قوي وسط أنواء المنطقة الراهنة.
أما المادة 160 المعدلة بعض فقراتها عام 2019 فقد أقرت أسس التغيير حال وجود مانع يحُول دون ممارسة الرئيس لمباشرة اختصاصاته، وقد وضعت المادة 159 مثالا على هذا المانع بأنه قد يكون اتهام الرئيس بالخيانة العظمى. وقالت المادة 160 المستبدلة أن نائب الرئيس أو رئيس الوزراء (حال عدم وجود نائب) سيحل محل الرئيس عند المانع المؤقت.
أضافت المادة 160 (في تعديل بعض فقراتها عام 2014 لا زال ساريا) بأنه عند خلو المكان بسبب الاستقالة أو الوفاة أو العجز فمجلس النواب يعلن ذلك، وانه في حالة خلو المنصب لسبب أخر (لم تحدده المادة) يكون هذا الإعلان بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب على الأقل. وفي الحالتين الواردتين في تلك الفقرة، يكون البديل المؤقت هو رئيس مجلس النواب الذي يُخطر مجلسه الهيئة الوطنية للانتخابات لممارسة عملها. أما لو كان مجلس النواب غير قائم فتحل الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية ورئيسها محل مجلس النواب ورئيسه.
خيار بقاء الأمور على حالها
مقابل ذلك كله فإن تأبيد السلطة هو الأخر ليس حلا، لأنه سيأتي -يوما ما- حتما قَدَر تفرضه السماء، عندئذ سيحدث إرتباك كبير، لاعتياد الناس على وجود شخص بعينه (أيا كان اسمه) في هذا الموقع، ومن ثم ستصبح آليات التغيير الدستورية أنفة الذكر (مجلس النواب- نائب الرئيس- المحكمة الدستورية) على الأرجح لا وجود لها على الأرض، إذ سيصبح لمؤسسات أخرى الكلمة الأولى والأخيرة.
من هنا فإن تعديل الدستور اليوم لإبقاء الأوضاع على حالها كما حدث عام 2019، حيث عُدل الدستور وجرى تصفير عداد الرئاسة (مادة 241 مكرر) أمر وارد، لكنه لا يبدو عند الكثيرين حلا مقبولا، فقدر مصر يتحتم أن يكون أفضل من ذلك بكثير، بمعنى أنه لا يتوجب أن تتحول مصر عمليا لنظام حكم ملكي، مع كل التقدير والتوقير لمقام الرئاسة الرفيع، لا سيما وأن هذا الخيار سيترك كافة الأمور الأخرى على حالها، فيما يتعلق بالمجال العام، خاصة فيما بواقع العلاقة بين السلطة التنفيذية من رئاسة وحكومة وبين المجتمع ، وهو ما يرتبط بالضرورة ببقاء الوضع الرث للنظام الحزبي الحالي، والنظام الانتخابي الذي يمنح النظام السياسي التحكم بشكل كبير في شكل وطبيعة العضوية في مجلس النواب، والقضاء المرتبط وجود عديد القيادات فيه بدور مركزي لتعييناته عبر رأس السلطة التنفيذية (مادة185 مستبدلة، ومادة 189 فقرة 2 مستبدلة ومادة 193فقرة 3 مستبدلة من دستور 2012 المعدل)، ناهيك عن بقاء وضع الإعلام عبر استمرار سياسة الصوت الواحد، والمجتمع المدني الذي يشوبه الكثير من المآخذ (وفق ما يرد عن عديد المؤسسات الحقوقية المصرية والدولية).
خيار الإصلاح والمقرطة المحسوبة
لكن كل ما سبق من أمور لا تعني أنه من الممكن أن يكون هناك إصلاح في النظام السياسي، وهو السيناريو الثاني الممكن. هنا تختلف درجة الإصلاح الممكنة لسريان الأوضاع السياسية الرئيسة، حيث يكون التدخل هنا في إصلاح عديد الأمور الإجرائية أو التكتيكية. تبدأ تلك التغييرات بتنفيذ حرفي للدستور، أي عدم التجديد للرئيس عبد الفتاح السيسي، وترشيح شخصيات لها وزن معتبر من المؤسسة العسكرية، في ظل الرغبة في رفع درجة الاستعداد الأمني للبلاد في تلك المنطقة المضطربة من العالم بسبب التهديدات المختلفة خاصة من الكيان الصهيوني، أو ربما تغيير الدستور، ليتم تصفير عداد الرئاسة مرة أخرى، لأن تعديل الدستور في هذه الحالة سيتناقض مع نص المادة 226 المعدلة عام 2014 منه، والتي ترفض بالكلية المساس بفترة الرئاسة أو الانتقاص من أي حق ديمقراطي أتى به الدستور. لذلك كله سيكون تغيير الدستور أكثر واقعية من تعديله.
في هذا السيناريو سيفضل أن يأتي القائمين على أمر الحكم بعديد الإجراءات التي ستُفضي إلى مقرطة الحكم. بحيث يتم توسيع رقعة المشاركة السياسية، بما يُفضي لزيادة الشرعية.
في هذا السيناريو أيضا يُفضل أن تتغير العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وبين السلطتين التنفيذية والقضائية لشكل أكثر توازنا، بدلا من حال الخلل البين في تلك العلاقتين، مع انفتاح إعلامي محسوب.
خيار التغيير والإنفتاح الديمقراطي
هذا السيناريو الثالث يرتبط بحدوث تغير درامي أساسه إصلاحات هيكلية وليست تكتيكية في بنية الحكم كلية. فيحدث تغيير في الشخوص والأفكار معا، وتجرى انتخابات حرة ونزيهة في الرئاسة والبرلمان والمحليات، وتتوسع منظومة حقوق الإنسان، ويتغير النظام الحزبي لشكل تعددي حقيقي لا يعتمد بالضرورة على أحزاب أغلبية أسسها وراعى عملها الحكم. هنا سيعدل النظام الانتخابي لنظام أكثر عدالة، ويحدث تمثيل حقيقي للناس في برلمان قوى، لكن في ظل بقاء الرفض الشعبي والضروري للدور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، أو حتى عودتها كجماعة دعوية. بعبارة أخرى، سيتجه النظام لشكل أكثر مدنية، بأن يكون بعيد كل البعد عن العسكرية أو الثيوقراطية في آن.
العمل الأرجح
لا شك أن العمل الأرجح ربما سيتجه إلى السيناريو الأوسط، لكون الكثيرين في أركان السلطة لا يدعموا التغيير الذي سيجدونه مطيح بمكتسباتهم، رغم أن مواجهة الفساد ربما تكون عنوان مهم في هذا السيناريو. واحد من أبرز الأمور المرجحة لعدم الإبقاء على الوضع الراهن (السيناريو الأول) هي أن الناس تريد متنفس سياسي، معبر عنه في انتخابات حرة ونزيهة في للبرلمان والمحليات، والتعدد الإعلامي المحسوب، والشرلااكة في تحسين الأداء الاقتصادي بما يرفع دور المؤسسات السيادية في إدارة الاقتصاد، وفتح المجال رحبا أمام القطاع الخاص، كطرف محدد لأولويات الإنتاج للتصدير ومنع الاحتكار بمختلف أنواعه، والاهتمام بالتعليم والصحة لمواجهة الغضب الاجتماعي.







