
قد يطلق مؤرخو المستقبل على الفترة من 1917 الى 2030 اسم “الحقبة الاسرائيلية” عند تدوينهم تاريخ الشرق الاوسط، لأن الظاهرة الاسرائيلية شكلت القاسم المشترك في تشكيل او حفز الظواهر المختلفة في مجتمع الشرق الاوسط، واتسمت هذه الحقبة بظاهرة العنف الذي لم يتوقف باشكاله المختلفة (الشعبي والرسمي)،ومستوياته المختلفة(المحلي والاقليمي والدولي).
لكن هذه الحقبة عرفت مسارين واضحين متداخلين وهما ما تسميه الدراسات المستقبلية الحدث(Event ) أولا (اي وقائع منفردة ومتناثرة الحدوث في جغرافيا المنطقة) والاتجاه(Trend ) ثانيا (أي الحوادث المترابطة التي تشكل ظاهرة وتتحول لاتجاه اعظم(Mega-trend ) . وعند المتابعة التاريخية لإقليم الشرق الاوسط والذي يشكل العرب مركزه الجغرافي يتبين لنا ما يلي:
1- مرحلة عُقم الاتجاه: دون التوقف عند التفاصيل (اي الحدث الذي ساعود له في هذا المقال )، فان المشروع الصهيوني في فلسطين يتقدم ويحقق نتائج لا لُبس فيها وهو ما ساميه خصوبة الاتجاه ، ويمكن رصد ذلك على النحو التالي:
أ- الانطلاق من ” وعد ” (وهو وعد بلفور) الى تنفيذ اولي للوعد باقامة اسرائيل ثم الاعتراف الاممي بها .
ب- الانتقال من الاعتراف الاممي الى الاعتراف العربي التدريجي ،فمن 1948 الى 1979 لم يجرؤ اي نظام سياسي عربي على الاعتراف او التواصل مع اسرائيل(وما وقع كان يجري بالسرية التامة وانكارها )، ومن 1979 الى الآن هناك اعتراف عربي متلاحق، واصبح التواصل مع اسرائيل علنيا بل ووقحا ، فمن 1979 المعاهدة المصرية الاسرائيلية الى الآن تم الاعتراف القانوني او الواقعي باسرائيل من احدى عشرة دولة عربية اضافة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وتدل احجام التجارة بين اسرائيل والدول العربية التطبيعية على التزايد ، كما ان التنسيق الامني والتعاون العسكري يتم عبر تنسيق امريكي من خلال القيادة المركزية الامريكية منذ 2021 الى الأن بل وحتى الغد القريب، ولعل التصدي للصواريخ الايرانية على اسرائيل من جبهات عديدة دليل على التنسيق.
ت- التوسع الاسرائيلي من حدود 1947 الى 1949 الى 1967 واستكمال السيطرة على فلسطين كلها، ثم بدأنا نشهد طرح مشروع “اسرائيل الكبرى” وهو ما يتضح في التوسع الاسرائيلي في جنوب سوريا ولبنان ، والشروع في تفكيك القوى الشعبية العربية المسلحة بعد فشل الجيوش فشلا ذريعا، واصبح شعار نزع اسلحة محور المقاومة مطلبا عربيا بمقدار ما هو مطلب اسرائيلي( وهو ما يتضح في مطالب حكومة اوسلو ،ومطالب الحكومة العراقية الحالية بحصر السلاح وتفكيك الحشد الشعبي متسترة بحملة مكافحة الفساد وبذكاء لا اظن انه من عندياتها ،وها هو التفاوض المباشر بل والعناق بين الوفود اللبنانية والاسرائيلية يملأ الشاشات ، وها هي سوريا تقف عاجزة وبذرائعية مطلقة امام التوسع الاسرائيلي في جنوبها، وبقية الدول العربية تتطاحن داخليا في السودان وليبيا والصومال (التي انشقت عنها دولة جديدة تعترف بها اسرائيل وستكون احد ركائزها في القرن الافريقي)…والقائمة تطول.
ث- تزايد الظهور لنخب عربية “تروج” لتفسيرات دينية او علمانية لتاريخ المنطقة وثقافتها لتبرير القبول بالوجود الاسرائيلي، فحوار الاديان هو لتبرير التقارب مع اليهود، والنبش في تاريخ المذاهب الاسلامية هو لتمزيق المجتمع العربي ،والتاكيد على حقوق الاقليات لا ينطلق من حقوق الانسان بمعناها الاخلاقي بل من زاوية الغرض السياسي لتعميق التمزيق.
ج- كل ما سبق من مظاهر ” خصوبة الاتجاه” يتعزز بمجرد النظر الى المؤشرات التي تقيس تطور المجتمعات، فالاقليم العربي يحتل المراتب الاخيرة في الآتي: الاستقرار السياسي، والديمقراطية، وعدالة توزيع الدخل، والانفاق على البحث العلمي، وتتمثل هذه المؤشرات المركزية الاربعة في حوالي 420 مؤشر فرعي ،تكاد تغطي اغلب مظاهر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
2- مرحلة “عُقم الحدث”: تشير مراجعة نفس الفترة من 1948 الى الآن، الى احداث حاولت سد طريق “خصوبة الاتجاه”، مثل استقلال اغلب الدول العربية(ولو شكليا) ، وفشل العدوان الثلاثي، وانتصار الثورة الجزائرية، والوحدة المصرية السورية، وبعض تأميم المرافق الاقتصادية(البترول وقناة السويس..الخ)، وظهور المقاومة الفلسطينية، ثم ظهور محور المقاومة بعد قيام الثورة الايرانية ..وصولا لطوفان الاقصى.
لكن هذه الاحداث تفتقد للترابط الاستراتيجي بين وقائعها، ولم تُشكل تراكما كميا او كيفيا، ولذلك انتهت تداعياتها بفعل ضغوط “خصوبة الاتجاه” وذكاء من يعمل في نطاق الاتجاه ، وانقسام الانظمة العربية الى نظم وطنية “غبية وغرائزية” او نظم ” تابعة لسيد غربي ذكي” ويجمع الاستبداد النمطين.
لقد رافق كل حدث مما سبقت الاشارة له افراح واهازيج، وزُرعت بذور آمال عريضة، لكن خصوبة الاتجاه ما يلبث ان يطوي هذه الافراح ، ويتعلم منها ليستعد لزيادة طاقة الاتجاه .
ان المستقبل هو المجال الوحيد المتاح لتغيير هذه العلاقة بين الحدث والاتجاه، فتحويل الحدث الى اتجاه يستوجب ربط الاحداث المفرحة ببعضها في اطار مشروع استراتيجي ، لكني لا ارى –واتمنى ان يكون نظري ضعيفا- ما يشير للجم خصوبة الاتجاه ، واخشى ما اخشاه:
1- تنامي التيار السياسي في ايران الذي يرى ان اعباء الانخراط في النزاع العربي الصهيوني سياسيا واقتصاديا وعسكريا يدفع للتفكير باعادة النظر في التوجهات الجيواستراتيجية الايرانية ، وهو امر سيعزز من “عُقم الاتجاه”.
2- استمرار الدول العربية في الحفاظ المستميت على المرتبة الاخيرة في المؤشرات التي اشرت لها(الفقرة ج).، ويعود كل ذلك الى تغليب “أمن الانظمة”(الحفاظ على كرسي السلطة) على امن الدول وامن المجتمعات خلافا للاتجاه العالمي الذي يجعل من امن النظام السياسي آخر اولوياته.
3- من المؤكد ان الطرف الاسرائيلي يخطط الآن لإعادة المكانة الاسرائيلية دوليا الى وضعها السابق، فالحدث الكبير(طوفان الاقصى) دفع اسرائيل الى موقف دولي سلبي لم تتخيله اسرائيل، ويبدو ان الطرف العربي سيشارك من خلال سياساته الحالية في اعادة الاعتبار الدولي لاسرائيل ،وهنا الطامة الكبرى والتغذية الكاملة لخصوبة الاتجاه.
4- ان صمود حوالي 7.5 مليون فلسطيني في فلسطين التاريخية حتى الآن ، هو موضع رهان استراتيجي كبير، لكن ترك العرب للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية ، والاستعداد للتعاون مع ترامب ونيتنياهو لايجاد مخارج للتهجير بذرائع مختلفة ،وقبول التوطين للفلسطينيين المهاجرين يمثل فصل الختام في استكمال بناء خصوبة الاتجاه ..
اخيرا: اعلى نسبة انفاق على البحث العلمي من اجمالي الناتج المحلي في العالم هي في اسرائيل ، وادنى نسبة انفاق بين اقاليم العالم هي في المنطقة العربية…” فاعتبروا يا أولي الابصار”…ربما.







