
بحسبة بسيطة وبالرجوع الي مصادر الإحصاء كان عدد الأطفال تحت سن ١٥ سنة عام ٢٠١١ حوالي ٢٩ مليون نسمة . وشهدت مصر ٣٤ مليون ولادة جديدة من عام ٢٠١١ الي ٢٠٢٦.
أي أننا أمام جيل تعداده فوق الي ٦٠ مليون طفل وشاب تقريبا لا يعلمون الأسئلة التي طرحت عام ٢٠١١ ومرة ثانية عام ٢٠١٣ .
لم يروا أياً من الثورتين ولن يعلموا عنهما إلا كما يسجلها التاريخ بعد فوات الحدث: كلمات على ورق، وصور أرشيفية، وأرقام لملايين خرجوا ولم يكن الكثير منهم بينهم.
لكنني، الذي عشتُ المرتين بكل خلجاتهما، لا أكتب لكم اليوم لأروي ما حدث – فالرواية مدوّنة بما يكفي – صدقاً أم كما يراها الناس بناظير مختلفة – بل لأحدثكم عن فارق أعمق: الفارق بين أن تعيش حدثاً وبين أن تتوارثه.
حين عشتُ تلك السنوات لم تكن الذاكرة وحدها كافية عندي، فكتبتُ كل موقف وقت حدوثه، لأنني أعرف أن الذاكرة خائنة بطبعها: تتشكّل مع الزمن، وتتصالح أحياناً مع ما كانت تثور عليه.
فلسفتي” ان ما لا يوثق لن يوجد”
ومن بين ما كتبته وقتها بقيت جملة لم أصقلها بأثر رجعي: “السلطة التي لا تحترم معارضيها تفقد كل شيء في النهاية” – قلتها في يونيو 2013 وأنا لا أعرف إن كانت الأمور ستنتهي إلى خير أم إلى مأساة.
وفي محطة أسبق، بعد سنوات من يناير 2011، جلستُ مع شباب عاشوا الحدث بأجسادهم، وسمعتُ من بينهم من قال بصوت لا يُنسى: “أعيش الآن في تكبيل أكثر وحرية أقل… كأننا عملنا ثورة لنهديها إلى الإسلام السياسي ثم نعود كما كنا.”
وكما يقول بعض الشباب الذي وصل الثلاثينيات والأربعينيات من عمره الآن ، ” وكأننا خضنا ثورتين ونترحم علي ما ثرنا عليه قبل ٢٠١١”
وهذا هو الفارق بين النص والذكرى: النص لا يكذب، لكنه أيضاً لا يستطيع أن يمنح القارئ رعشة الميادين، ولا الخوف الذي رافق كل قرار، ولا تلك الساعات التي وقفنا فيها أمام المجهول – مرتين.
هذه مفارقة : من لم يعيش أياً من المحطتين، ستصير كلتاهما – بالكامل – هو ما كتبه عنها من عاشها. وهذا يضع على من يكتب التاريخ مسؤولية لا تقل عن مسؤولية من صنعه: أن يكون صادقاً حتى في تناقضاته، فلا يمنح بطولة مصقولة لم تكن كذلك، ولا مأساة مطلقة لم تكن كذلك أيضاً.
ولأن الصدق يقتضي ذلك، أقول لمن يقرأ : لم يكن يناير ولا يونيو معركة بين فريقين، كما يصوّرهما كثيرون اليوم بأثر رجعي، بقدر ما كانا – مرتين متتاليتين – امتحاناً في سؤال واحد: هل يملك شعب حقَّ أن يقول “لا” لسلطة – أياً كان مصدر شرعيتها، حتى لو كانت صندوق انتخاب أو ميداناً مكتظاً بالناس –
إذا قررت أن تحتكر الحقيقة وتُسكت المختلف وتصبح فوق المحاسبة؟ هذا السؤال لا ينتهي بانتهاء التاريخ، ولا يخصّ حزباً أو تياراً، بل يتكرر بتغيير المخرج والسيناريو والممثلين، في كل زمان ومكان يظن فيه من يحكم أنه أكبر من شعبه.
وهناك درس أعمق تعلمته من المرتين معاً، يكاد يفسر لماذا يتكرر السؤال نفسه على فترات:
الثورة، في تعريفها الأكاديمي، عمل غير شرعي ضد نظام قائم؛ فإذا نجحت أصبح النظام مجرماً ومتهماً، وإذا فشلت أصبح الثوار مجرمين خارجين عن القانون.
الأبطال والمجرمون يتبادلون أماكنهم، لأن من يكتب التاريخ هم المنتصرون فقط. وهذا يعني أن إسقاط شخص أو نظام أو جماعة ليس انتصاراً حقيقياً إن لم يصاحبه إسقاط الفراغ الذي يسمح لأي قادم جديد أن يحتل نفس المكان ويرث نفس المرض: قضاء غير مستقل تماماً، أحزاب لا تنظّم رأياً حقيقياً بل تُدار لتعبئة فراغ، رقابة لا تحاسب من يصنع القرار ، وغياب وتبرير لعدم تداول السلطة بحجة عدم وجود البديل .
هذا – لا تغيّر الوجوه فقط – هو ما أسميه الربيع الحقيقي الذي تنتظره مصر ..
وأعترف لكم بما لا أعترف به لأحد: أنا أشعر أن المسافة التي كانت بيني وبين تحقيق جهودي للإصلاح قبل يناير، ثم في مواجهة سلطة الإخوان في يونيو – قد ضاقت للمرة الثالثة، لا لأن قناعتي خفّت، بل لأن المخرج تغيّر والممثلين تبدّلوا ولكن النص ظل واحداً: من يملك القرار يحسب نفسه فوق المساءلة.
وهذا بالضبط ما حذّرت نفسي منه يوم كتبت أن الإنسان يتعود ويتأقلم حتى يجد نفسه قابلاً لما كان متحمساً لرفضه. فالاختبار الحقيقي ليس في أن أقف مع او ضد فريق بعينه، بل في أن أحافظ على نفس المسافة من الحقيقة كلما تبدّل من يجلس على الكرسي.
قلت لجيل آخر، أصغر سناً ، في خطاب تخرج هذا العام امام طلبة ثانوية عامة في طريقهم للجامعة ، “إن الامتحان الحقيقي لا يُصحَّح في لحظته، بل تظهر نتيجته بعد سنوات من خيارات صغيرة متراكمة. وأقول لشباب اليوم: لا يناير ولا يونيو كانا امتحاناً ينتهي بنجاح جيل أو فشله، بل امتحاناً يُعاد توزيعه على كل جيل جديد بأسئلة مختلفة الشكل، واحدة الجوهر.
فلا تسألوني “من كان على حق، الثوار أم من جاء بعدهم؟”، بل اسألوا أنفسكم: “ما الذي يستوجب اليوم أن نقوله بصراحة، قبل أن يفوت الوقت كما فات على من سبقنا مرتين؟”
فإن كنتُ أملك لشباب اليوم نصيحة واحدة، فهي أن الفراغ السياسي لا يبقى فارغاً أبداً – إن لم يملأه شباب الوطن وخبراءه بوعيهم وأحزابهم الحقيقية ومشاركتهم ، سيملأه غيرهم باسمهم.
فلا تنتظروا ثلاثة عشر ، ولا خمسة عشر، سنة لتكتبوا وتسجلوا ما تعتقدونه الآن ولتطلبوا ،وهذا حقكم، في إطار من القانون والبناء وليس الهدم .
ابدأوا اليوم، بصدق لا يحسب حساب من سيقرأ. فالذاكرة التي لا تُكتب تُسرق، والوطن الذي لا يُسأل عنه يُفقد. وحين يقرأ جيل بعدكم ما كتبتموه، فلن يفهم وحده عظمة ما عشتموه، بل سيفهم – أولاً – صدقكم وقت كتابته.







