شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: الإنسان عاريًا في محكمة يقدم الأعذار دون الاعتذار .ورقة من كتاب «الغبي» (4)

«الغبي ليس من يجهل الحقيقة… بل من عشق الرواية التي كتبها عن نفسه أكثر من حبه للحقيقة التي عاشها!»

الغباء هو أن ينصب الإنسان في داخله محكمة لا تبحث عن العدالة، بل عن حكم مخفف. يجلس فيها العقل على منصة القضاء مرتديًا ثوب الوقار، بينما يهمس القلب إليه بالحكم قبل أن تبدأ المرافعة. وتحضر الذاكرة شاهدة، لكنها لا تروي كل ما رأت، بل ما تسمح به الرواية التي يريد الإنسان أن يصدقها عن نفسه. أما المتهم الحقيقي، وهو الوهم، فلا يدخل القاعة باسمه أبدًا؛ يتخفى كل مرة في هيئة جديدة: ظروف قاهرة، أو نية طيبة، أو ضرورة، أو سوء حظ، أو سوء فهم، حتى يصدر الحكم المعتاد… براءة كاملة، وحقيقة مؤجلة.

لا يحب الإنسان أن يرى نفسه عاريًا أمام الحقيقة. لذلك يكسو أخطاءه بثياب كثيرة. يسمي الخوف حكمة، ويسمي التردد اتزانًا، ويسمي القسوة صراحة، ويسمي الانسحاب نضجًا، ويسمي الأنانية حفاظًا على النفس، ويسمي الهزيمة درسًا قبل أن يتعلم منها شيئًا. وليست المشكلة في تبديل الأسماء وحده، بل في أن الاسم الجديد يمنح الخطأ إقامة قانونية داخل الروح. فما دام الشيء قد وجد اسمًا محترمًا، أصبح طرده أصعب من ارتكابه.

الأعذار لا تولد دائمًا من الكذب، بل كثيرًا ما تولد من الألم. يحتاج الإنسان أحيانًا إلى عذر صغير يحميه من الانكسار، لكن الغباء يبدأ حين تتحول الضمادة إلى جلد جديد، وحين تصبح الاستراحة وطنًا، ويغدو العذر أسلوبًا دائمًا في النظر إلى النفس. عندئذ لا يعود الإنسان يعالج جرحه، بل يعيش داخله، ويعيد ترتيب حياته كلها حوله.

ما أكثر الذين يظنون أنهم شرحوا أنفسهم، بينما هم في الحقيقة برروا أنفسهم. والفرق بين الشرح والتبرير كالفرق بين من يفتح نافذة ليدخل الضوء، ومن يرسم نافذة على الجدار ثم يقنع نفسه بأن الغرفة امتلأت بالشمس. الشرح محاولة للفهم، أما التبرير فمحاولة للنجاة من الفهم. الأول يقود إلى الحقيقة، والثاني يقود إلى الرواية التي نحبها عن أنفسنا.

في داخل كل إنسان محامٍ لا يتقاعد. يعرف كيف ينتقي الوقائع، وكيف يحذف ما يزعجه، وكيف يؤجل الأسئلة الخطيرة إلى جلسة لا تنعقد أبدًا. فإذا واجه الإنسان خطأه، قال له: لم تكن تقصد. وإذا واجه تقصيره، قال: لم تكن الظروف تسمح. وإذا واجه قسوته، قال: كانوا يستحقون. وإذا واجه جبنه، قال: كنت أكثر حكمة من أن تندفع. وهكذا يربح كل القضايا… ويخسر القضية الوحيدة التي تستحق أن تُربح: قضية نفسه.

ليست البراءة الداخلية فضيلة دائمًا. أحيانًا تكون أخطر أشكال الغباء. فالإنسان الذي يخرج من كل محاكمة بريئًا يحرم نفسه من حق النمو. لا ينضج من لا يعترف، ولا يتغير من لا يتألم من نفسه. أما ذلك الارتباك النبيل الذي يصيب الإنسان عندما يكتشف أنه لم يكن دائمًا على حق، فهو أول علامات الشفاء؛ لأنه اللحظة التي يتراجع فيها الوهم خطوة، وتتقدم الحقيقة خطوة.

الغباء هنا لا يظهر في قلة الفهم، بل في براعة الدفاع. قد يكون صاحبه واسع الثقافة، حاضر الحجة، شديد الذكاء، لكنه يسخر كل ذلك لحماية صورة قديمة عن نفسه. يصبح ذكاؤه محاميًا للوهم، لا خادمًا للحقيقة. وكلما ازداد براعة في الدفاع، ازداد بعدًا عن الاكتشاف. وهكذا يتحول العقل، الذي خُلق ليحرر الإنسان، إلى حارس أمين على سجنه الداخلي.

لا شيء يربك هذه المحكمة أكثر من سؤال واحد: ماذا لو كنت مخطئًا؟ سؤال قصير، لكنه يربك القاضي، ويكشف ارتباك الشاهد، ويضعف مرافعة المحامي، ويجعل الرواية كلها ترتجف. لذلك يهرب كثيرون من هذا السؤال، لا لأنه معقد، بل لأنه يهدد البناء الذي أمضوا سنوات طويلة في تشييده.

في العلاقات الإنسانية، تصنع الأعذار مسافات لا تُرى. يجرح الإنسان من يحب، ثم يغطي الجرح بطبقات من التفسير: كنت غاضبًا، كنت متعبًا، لم أقصد، أسأت الفهم. ومع أن بعض ذلك قد يكون صحيحًا، فإن الحقيقة تبقى واقفة في زاوية القاعة، لا تطلب خطبة طويلة، بل جملة واحدة: لقد آذيت. هذه الجملة وحدها تهزم مرافعات كاملة، لأنها تعيد الاعتبار للحقيقة قبل الرواية.

وفي السياسة، تكبر المحكمة حتى تصبح وطنًا كاملًا. لا يقول المستبد إنه مستبد، بل إنه يحمي الدولة. ولا يقول الفاسد إنه أفسد، بل إنه اضطر إلى ذلك. ولا يعترف الفاشل بفشله، بل يحمل المؤامرات ما صنعته يداه. ولا تعترف المعارضة الكسولة بأنها عجزت، بل تجعل الظروف شماعة دائمة. وهكذا لا تتحول السياسة إلى صراع حول الحقيقة، بل إلى تنافس بين روايات متقنة الدفاع عن نفسها.

والأمم، مثل الأفراد، تؤلف قصصًا تحب أن تعيش داخلها. قد تروي لنفسها أنها ضحية العالم كله، أو أنها وريثة أمجاد تكفيها عن صناعة المستقبل، أو أنها لا تخطئ أبدًا. وما إن تستقر هذه الروايات في وجدانها، حتى تصبح مراجعتها أصعب من مواجهة الهزيمة نفسها. فالأمم لا يقتلها الفقر وحده، بل قد يقتلها أيضًا إعجابها الطويل بالقصة التي ترويها عن نفسها.

الاعتذار ليس كلمة تقال، بل محكمة يُعاد تشكيلها. في اللحظة التي يعتذر فيها الإنسان بصدق، ينهار جزء من الرواية التي عاش يحرسها، ويولد جزء جديد من الحقيقة. لذلك يبدو الاعتذار ثقيلًا على من عبدوا صورتهم طويلًا؛ لأنه لا يطلب منهم أن يعترفوا بخطأ فحسب، بل أن يعيدوا كتابة أنفسهم.

كم من إنسان ربح كل المرافعات، ثم اكتشف في نهاية العمر أنه خسر نفسه. كان يملك جوابًا لكل سؤال، وعذرًا لكل خطأ، وتفسيرًا لكل هزيمة، حتى لم يعد يسمع الصوت الوحيد الذي كان يستحق الإصغاء إليه؛ صوت الحقيقة، وهي تقول له في هدوء: لم أكن أطلب منك أن تكون كاملًا… كنت أطلب فقط ألا تجعل الوهم قاضيك الأخير.

عند هذه النقطة وحدها تبدأ الحرية. لا يوم ينتصر الإنسان على الآخرين، بل يوم يوقف جلسات محكمة الأعذار في داخله، ويترك الحقيقة تتكلم دون مقاطعة، ويقبل أن يخسر رواية أحبها سنوات، في مقابل أن يستعيد وجهًا فقده منذ زمن. هناك يخطو الإنسان أول خطوة خارج الغباء، لأن الغباء لا ينتهي عندما يعرف الحقيقة، بل عندما يتوقف عن محاكمتها كل يوم دفاعًا عن نفسه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى