صراع الأجهزة الأمنية في إسرائيل والموساد يتورط في ملف تهجير غزة

تكشف التسريبات الأمنية والسياسية الأخيرة القادمة من داخل الكيان الإسرائيلي عن وجود صراع مكتوم وخلافات حادة تضرب عمق مؤسسات الأمن والاستخبارات في تل أبيب، حيث يدور النزاع حول تحديد الجهة الأقوى التي ستتولى بشكل مباشر إدارة ملف ما يُسمى بـ “الهجرة الطوعية” للفلسطينيين من قطاع غزة، وتشير التقارير إلى محاولات متكررة ومتعمدة من جانب القيادة السياسية لدفع جهاز الاستخبارات والمهمات الخاصة “الموساد” ورئيسه الجديد رومان غوفمان إلى الواجهة، والزج بهما لتحمل مسؤولية هذا المخطط الشائك، على الرغم من أن هذا الملف الإجرامي يقع تقليديًا وتاريخيًا ضمن نطاق اختصاص جهاز الأمن العام “الشاباك” وقوات الجيش الإسرائيلي، مما يوضح حجم التخبط والاضطراب البالغ داخل مراكز صنع القرار الإسرائيلي.
ووفقًا للتحليل الشامل الذي نشرته صحيفة جيروزاليم بوست، يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026، فإن الاجتماعات المكثفة والمستمرة التي يقودها مجلس الأمن القومي الإسرائيلي لم تنجح حتى الآن في حسم الهوية الفعلية للجهة التي ستقود خطة التهجير والترحيل القسري، وذلك برغم وجود تسريبات سياسية جرى ضخها وتعمد نشرها في وسائل الإعلام للإيحاء بعكس ذلك وتصوير الأمر على أنه حُسم، ويهدف الشاباك والجيش من وراء هذا التهرب إلى إلقاء كرة اللهب الحارقة في حجر الموساد، هروبًا من التبعات القانونية والجنائية الدولية المرتبطة بعمليات التطهير العرقي، وتفاديًا لتسجيل فشل استراتيجي جديد يُضاف إلى سلسلة الإخفاقات العسكرية والأمنية المتلاحقة التي منيت بها الأجهزة الاستخباراتية منذ اندلاع المواجهات في قطاع غزة.
وتكمن المفارقة الصارخة في أن جهاز الشاباك يُعد هو الجهاز الإسرائيلي الأكثر خبرة ومعرفة جغرافية واستخباراتية في إدارة العمليات الأمنية والقمعية داخل قطاع غزة، سواء عبر عمليات الاختراقات الأمنية الواسعة أو إدارة شبكات الجواسيس والاستخبارات والعملاء داخل القطاع على مدار عقود طويلة مضت، بينما في المقابل ظل دور جهاز الموساد محدودًا للغاية وهامشيًا من الناحية التاريخية في كل ما يخص ملف غزة، حيث يتركز النشاط الأساسي للموساد على مواجهة الملف الإيراني، وتنفيذ العمليات الخارجية الخاصة بالاغتيالات، وإدارة العلاقات السرية والدبلوماسية الخفية مع الدول التي لا تربطها علاقات علنية أو رسمية مع إسرائيل، مما يجعل إقحامه في غزة خطوة مريبة.
إلا أن الدفع باسم رئيس الموساد الجديد رومان غوفمان في هذا التوقيت بالذات، يبدو مرتبطًا بشكل مباشر بخلفيته وعمله في مشاريع خاصة وأمنية معينة ارتبطت بقطاع غزة خلال الأشهر القليلة الماضية، مما يجعله خيارًا سياسيًا تفرضه الحكومة أكثر من كونه اختيارًا أمنيًا مبنيًا على الكفاءة أو التخصص الاستخباراتي، ويرى مراقبون ومحللون للشأن الإسرائيلي أن إلقاء هذا الملف البالغ الحساسية والخطورة على عاتق الموساد يمثل محاولة مكشوفة من أطراف سياسية وعسكرية داخل تل أبيب للهروب المبكر من التبعات الكارثية لفشل متوقع للمشروع، خاصة وأن مخطط تهجير الفلسطينيين يواجه اعتراضات دولية وإقليمية واسعة، بما فيها تحفظات صارمة وضغوط من الجانب الأمريكي.
كما أن تسريب اسم رومان غوفمان في وسائل الإعلام يخدم بشكل فج أجندات ومصالح انتخابية وحزبية ضيقة داخل حكومة اليمين المتطرف التي يقودها بنيامين نتنياهو، وذلك قبيل الانتخابات المقررة في شهر أكتوبر المقبل، في ظل تصاعد حدة الهستيريا ودعوات اليمين الفاشي المتطرف في إسرائيل، وعلى رأسهم وزراء متطرفون مثل بتسلئيل سموتريتش، الذين يطالبون علنًا بإعادة الاستيطان اليهودي في قطاع غزة وطرد السكان العرب، وهو ما يحول المؤسسات الأمنية العريقة إلى مجرد أدوات لتسجيل النقاط السياسية والمزايدات الحزبية، وسط غياب تام للتنسيق وتصارع واضح على النفوذ والصلاحيات بين قادة الأجهزة الاستخباراتية الذين يخشون الإطاحة بهم بعد انتهاء المعارك الحالية.
ويعكس هذا المشهد المتأزم داخل مجلس الأمن القومي حقيقة الانقسام البنيوي في الكيان، حيث يرفض الشاباك تحمل نتائج المغامرات السياسية لنتنياهو وزمرته المتطرفة، بينما يجد الموساد نفسه مجبرًا على الدخول في مستنقع غزة دون أي غطاء أمني ميداني حقيقي، وتؤكد التسريبات الموثقة أن الخلاف بين الشاباك والموساد تجاوز حدود التنسيق الإداري ليتطور إلى حرب اتهامات متبادلة بالتقصير والعجز عن تقديم تصور واقعي لقطاع غزة، لتظل خطط “الهجرة الطوعية” المزعومة مجرد حبر على ورق تعوقها المقاومة وتفضحها صراعات الأجهزة.







