مجلس حقوق الإنسان يعقد جلسة عاجلة لإنقاذ 500 ألف مدني في السودان

شهدت الأروقة الأممية في جنيف تحركات طارئة لمواجهة التدهور الأمني الكارثي في الأراضي السودانية، حيث قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، عقد جلسة عاجلة في وقت لاحق من الأسبوع الجاري لمناقشة التطورات المتسارعة والمروعة في مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، وجاء هذا التحرك الدبلوماسي العاجل بعد تواتر تقارير استخباراتية وميدانية موثقة تؤكد قيام قوات الدعم السريع شبه العسكرية وحلفائها بفرض حشد عسكري مكثف ومريب وتطويق شامل حول المدينة المكتظة بالسكان، مما ينذر بتفجر مواجهات مسلحة دامية تفوق في بشاعتها سيناريوهات الدمار السابقة التي شهدتها البلاد.
وأطلقت سفيرة بريطانيا لحقوق الإنسان، إليانور ساندرز، تحذيرات شديدة اللهجة أمام المجلس الدولي، كاشفة عن عمق المأساة التي تحدق بالمدينة، حيث وصفت الوضع الميداني الراهن بأنه “يشبه الحصار” العسكري الكامل، وأشارت ساندرز إلى أن آلاف الأسر البريئة باتت محاصرة بالكامل داخل المدينة مع انقطاع تام لكافة الإمدادات والمساعدات الإنسانية والطبية والغذائية، بالتزامن مع تصاعد وتيرة الهجمات الانتحارية بالطائرات المسيرة، وأكدت السفيرة البريطانية في خطابها الصادم قائلة: “يواجه ما يصل إلى 500 ألف مدني خطر التعرض لجرائم وفظائع واسعة النطاق، ولا يمكننا بأي حال من الأحوال السماح بتكرار مآسي جديدة كان من الممكن تجنبها لو تحرك المجتمع الدولي بجدية”.
وحظي طلب عقد هذه الجلسة الاستثنائية بدعم دولي واسع النطاق من قِبل حكومات ألمانيا وأيرلندا والنرويج وهولندا، حيث تقرر رسميًا تحديد يوم الجمعة الموافق 3 يوليو موعدًا لإجراء المداولات العاجلة، وفي المقابل شهدت جلسة اليوم الثلاثاء موقفًا لافتًا تمثل في امتناع وفد السودان الرسمي عن مخاطبة المجلس أو التعليق على المذكرة، وفي السياق ذاته، أعلنت بريطانيا عن نيتها التقدم بمقترح رسمي وصياغة مشروع قرار حاسم إلى المجلس المكون من 47 عضوًا يوم الجمعة المقبل، ورغم أن مجلس حقوق الإنسان لا يمتلك سلطة فرض عقوبات قانونية أو تنفيذية مباشرة، إلا أن التصويت على فتح تحقيقات دولية شاملة يمثل خطوة قانونية بالغة الخطورة، حيث تُستخدم تلك التقارير كأدلة دامغة لإدانة المتورطين في جرائم الحرب أمام المحاكم الجنائية الدولية والوطنية.
وفي المؤتمر الصحفي الرسمي المنعقد في جنيف، أكد باسكال سيم، المتحدث باسم مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أن الأمانة العامة تلقت طلبًا رسميًا مشتركًا تقوده بريطانيا وألمانيا لإجراء مناقشة عاجلة حول الوضع المأساوي في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، مرجحًا الانتهاء من كافة الترتيبات لعقدها يوم الجمعة، وتتزامن هذه التحركات مع صرخة استغاثة جماعية أطلقتها 46 منظمة حقوقية سودانية وإقليمية ودولية، والتي طالبت أطراف النزاع المسلح بالإعلان الفوري وغير المشروط عن هدنة إنسانية شاملة لإنقاذ المدنيين، حاسمة أمرها بالتحذير من أن الحشود العسكرية لقوات الدعم السريع والجيش تنذر بكارثة غير مسبوقة تعيد للأذهان السيناريو الدموي والانتهاكات الوحشية التي تعرضت لها مدينة الفاشر.
وعبرت المنظمات الـ 46، في بيان مشترك وصارم نشرته مجموعة “محامو الطوارئ”، عن قلقها البالغ إزاء التصعيد العسكري المتسارع حول مدينة الأبيض التي تستضيف حاليًا أعدادًا هائلة من النازحين الفارين من جحيم المعارك السابقة في دارفور وكردفان، وشدد البيان على أن هذا النداء الإنساني يستند بالكامل إلى الالتزامات الأخلاقية والقانونية لحماية المدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني، بعيدًا عن أي انحياز سياسي، وفضح البيان المشترك ممارسات طرفي الصراع والمتمثلة في الاستخدام العشوائي والمكثف للطائرات المسيرة والقصف المدفعي المتبادل وإلقاء البراميل المتفجرة فوق المناطق السكنية المكتظة، مما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى وتدمير كامل للبنية التحتية والمنشآت الحيوية في كردفان.







