من ذاكرة التاريخ.. نهاية مأساوية للنجم إسماعيل ياسين برصيد 2 جنيه بالبنك

تكشف صفحات من ذاكرة التاريخ عن الجانب المظلم والمليء بالمآسي في حياة صناع البهجة، وتأتي قصة الفنان إسماعيل ياسين لتجسد قمة القسوة والجحود التي يواجهها عملاق أفنى عمره لإسعاد الجماهير. ففي عام 1969، دارت عدسات الكاميرا في لوكيشن فيلم طريق الخطايا، ليعلن المخرج بدء التصوير، وفجأة امتدت يد ممثل شاب بشكل مفاجئ لتصفع وجه رجل عجوز تجاوز الستين من عمره، ولم تكن هذه الصفعة مجرد أداء تمثيلي بل كانت صفعة حقيقية دوي صداها في المكان، ولم يكن هذا الرجل كومبارسا بل كان ملك الكوميديا إسماعيل ياسين، الذي وافق على تلقي الإهانة والضرب من أجل تقاضي بضعة جنيها يعود بها إلى أولاده بعد أن تبدلت أحواله من القمة إلى القاع.
لكي يستوعب القارئ حجم الوجع والمرارة في تلك اللقطة القاسية، يجب العودة بالذاكرة إلى الحقبة الذهبية التي لم يكن فيها إسماعيل ياسين مجرد نجم عادي، بل كان ظاهرة سينمائية فريدة، فهو الفنان الوحيد في تاريخ الفن الذي أنتجت أفلام كاملة تحمل اسمه، مثل إسماعيل ياسين في الجيش، وفي الطيران، وفي البوليس، حيث كانت طوابير الجماهير تقفل الشوارع للحصول على تذكرة لمشاهدة صاحب الضحكة الجنان. لكن تقلبات الزمن لم ترحم هذا التاريخ، وفجأة توقف هاتف إسماعيل ياسين عن الرنين، وبدأ المنتجون والملحنون الذين تخلوا عنه في التهرب منه وتجاهله، مما اضطره إلى حمل تاريخه على كتفه والسفر إلى الكويت ولبنان بحثا عن لقمة العيش بعد أن حوصر في وطنه.
وفي الغربة تجرع إسماعيل ياسين مرارة الحاجة وقبل بأدوار صغيرة لا تليق بتاريخه العريض، ووصل الأمر إلى إلقاء اسمه في ذيل الأفيشات، وفي أحيان كثيرة تعمد البعض عدم كتابة اسمه نهائيا على الإطلاق، ورغم ذلك رضي بالوضع مرغما لأن الحاجة المادية كانت أقوى بكثير من الكرامة الفنية الكبيرة التي بناها عبر سنوات طويلة من الشقاء والتعب، وكان يرى أن توفير المتطلبات الأساسية لعائلته يسبق أي اعتبارات شخصية، مما جعله يعيش أسوأ فترات حياته المهنية بعيدا عن جمهوره الحقيقي الذي صنع نجوميته في مصر.
ولم تقتصر المعاناة على قبول الأعمال الضعيفة والإهانة في الخارج، بل كانت الصدمة الكبرى في انتظاره عندما قرر العودة إلى مصر، حيث فوجئ بأن مصلحة الضرائب قد اتخذت إجراءات مالية صارمة بالحجز على جميع ممتلكاته وفلوسه بالبنوك لتسديد مديونية بلغت 70 ألف جنيه، وهو الرقم الذي كان يمثل في ذلك الوقت ثروة طائلة قادرة على شراء مناطق كاملة. واستيقظ ملك الكوميديا ذات صباح ليتوجه إلى البنك من أجل سحب بعض الأموال ليفاجأ بالكارثة الكبرى، وهي أن رصيده المتبقي في حسابه البنكي أصبح 2 جنيه فقط لا غير، بعد أن تم التحفظ على كل شقى عمره، ليجد نفسه فجأة بلا مأوى ولا مال يقتات منه.
اضطر إسماعيل ياسين تحت وطأة هذا الإعسار إلى بيع بيته وعقاراته، حتى المسرح الذي بناه بعرقه وقضى فيه زهرة شبابه طار من بين يديه وضاع بالكامل، وعمر الأزمات لم يترك له فرصة للراحة، إذ عاد وهو يعاني من مرض النقرس الشديد الذي كان يمزق قدميه من الألم، ليقف على خشبة المسرح في الكازينوهات والملاهي الليلية يغني المونولوجات القديمة من أجل الحصول على يوميته بيوميتها ليدبر قوت يومه وعشائه، وتحول النجم الذي كان يملأ الدنيا بهجة إلى رجل يبحث عن سد جوعه اليومي وسط تجاهل تام من زملائه والجهات الرسمية التي تركته يصارع المرض والفقر بمفرده دون أدنى مساندة.
استحمل إسماعيل ياسين الفقر الشديد، وإهانات المرض والألم النفسي، وقسوة صدمة القلم والأدوار الهامشية، لكن جسده الضعيف ونفسيته المكسورة لم تجد دواء للوحدة القاتلة والتهميش الذي عانى منه في سنواته الأخيرة، وجاءت الضربة القاضية التي قطمت ظهره وحطمت روحه تماما يوم أن رحل رفيق رحلته وتوأمه الفني المخرج فطين عبدالوهاب، الذي صنع معه كل أمجاده السينمائية الخالدة، وكان موت فطين بمثابة الإشارة الأخيرة لإسماعيل ياسين بأن رحلته قد انتهت، وبالفعل بعد وفاة فطين عبدالوهاب بـ 10 أيام فقط، وتحديدا في تاريخ 24 مايو 1972، لحق به إسماعيل ياسين إثر إصابته بأزمة قلبية حادة ومفاجئة، ليموت بحسرته وكسرة نفسه. إن مأساة إسماعيل ياسين لا تكمن في أنه مات فقيرا، بل في أننا ضحكنا كثيرا بسببه، بينما بكى هو لوحده كثيرا جدا في الظلام دون أن يشعر به أحد من البشر، وتلك هي النهاية القاسية لكل من يسعد القلوب في عالمنا المعاصر والمليء بجحود البشر والمنكرين للجميل والداعمين لسياسات التهميش.







