المغربملفات وتقارير

من صفر إلى ربع المقاعد.. كواليس 30 سنة من حصار المرأة بالبرلمان المغربي

تكشف وثائق التاريخ السياسي في المغرب عن حقبة ممتدة من التهميش الممنهج ضد الحضور النسائي تحت قبة البرلمان، حيث استمر هذا الوضع المتردي لمدّة 3 عقود كاملة عانت فيها المرأة المغربية من إقصاء تام وغير معلن داخل المؤسسة التشريعية. فرغم الدور المحوري والبارز الذي لعبته النساء في صفوف المقاومة الشعبية، والحركات النقابية، والعمل الجمعوي، وتأسيس الدولة الاجتماعية بعد الاستقلال، إلا أنهن اختفين تمامًا عند لحظة صياغة القوانين والقرارات المصيرية. ومنذ أول انتخابات تشريعية شهدتها البلاد في عام 1963 وحتى مطلع التسعينيات، أدير البرلمان المغربي كمنظومة ذكورية مغلقة لا تعكس حضور نصف المجتمع، في ظل غياب كامل للنائبات لا استثناء فيه ولا اختراق، وكأن الإقصاء كان قاعدة راسخة وجزءًا لا يتجزأ من الطبيعة السياسية للنظام الانتخابي القائم آنذاك، والذي تعمد تغييب الكفاءات النسائية وتهميش أدواهن السياسية بشكل كامل.
وفي الفترة الممتدة بين عامي 1963 و1984، خاض المغرب 4 محطات انتخابية متتالية أفرزت مجالس تشريعية خالية تمامًا من أي تمثيل نسائي. ولم يكن هذا العزل البنيوي ناتجًا عن نصوص قانونية صريحة تمنع المرأة من الترشح، بل كان انعكاسًا مباشرًا لشبكات نفوذ تقليدية وأعيان محليين وعلاقات عائلية ضيقة أحكمت قبضتها على الدوائر الانتخابية. ويوضح التقرير الصادر في يوم الإثنين 29 يونيو 2026، أن الأحزاب السياسية استخدمت النساء في تلك العقود كأدوات للتعبئة والحشد والتنظيم والعمل الاجتماعي في القواعد الحزبية، بينما حُرمن بشكل قطعي من اعتلاء مواقع القرار أو التواجد في دوائر الترشيح الفعلي، مما رسخ ثقافة مجتمعية ترفض وجود المرأة في فضاءات السلطة، وتحصر دورها في النطاق الخدمي والاجتماعي البعيد عن التشريع وحق تقرير مصير البلاد.
وبدأت ملامح التغيير تظهر مع نهاية الحرب الباردة وتصاعد الضغوط الحقوقية والحركات النسائية التي قادت معارك شرسة لإعادة تعريف هذا الغياب بوصفه خللاً بنيويًا يجب معالجته. وفي عام 1993، شهد البرلمان المغربي اختراقًا رمزيًا بدخول امرأتين فقط هما بديعة الصقلي ولطيفة بناني سميرس، وهو المقعد الثنائي الذي كسر الاحتكار الذكوري الطويل، لكنه فشل في تحسين الأرقام، إذ تكرر المشهد ذاته في انتخابات عام 1997 ببقاء المقعدين النسائيين فقط مع دخول فاطمة بلمودن بدلاً من إحدى الأسماء، مما أكد أن المنظومة الانتخابية لا تسمح بصعود المرأة عبر المنافسة المباشرة دون تدخل تشريعي لحمايتها من التمييز الممارس ضدها من النخب الحزبية التقليدية.
ودفع هذا الجمود المزمن الدولة إلى إدخال هندسة جديدة في انتخابات عام 2002 عبر اعتماد “اللائحة الوطنية المخصصة للنساء” كآلية للكوتا، مما قفز بعدد البرلمانيات إلى 35 نائبة بنسبة تجاوزت 10%، قبل أن يستقر العدد عند 34 نائبة في انتخابات عام 2007. ورغم هذا الصعود العددي، يرى خبراء أن الإصلاحات اقتصرت على معالجات تقنية وتوزيع مقاعد عبر لوائح مغلقة، دون المساس بجوهر المنافسة المحلية التي ظلت حكرًا على النخب التقليدية، مما يعني أن الكوتا نجحت في تجميل النتائج رقميًا لكنها أخفقت في مراجعة بنية النظام الانتخابي الإقصائي الذي ظل يدار بعقلية ذكورية ترفض التمكين الفعلي والمساواة الحقيقية في الحقوق والمواطنة السياسية للجميع.
وجاءت حركة 20 فبراير في عام 2011 لتفرض واقعًا جديدًا أسفر عن إقرار دستور جديد ينص في الفصل 19 على السعي نحو المناصفة، ليرتفع عدد النساء في برلمان 2011 إلى 67 نائبة بنسبة 17%. وتواصل الصعود التقني ليصل إلى 81 نائبة في عام 2016، ثم قفز إلى 96 نائبة في انتخابات عام 2021 بعد إلغاء اللائحة الوطنية وتعويضها باللوائح الجهوية التي ألزمت الأحزاب بوضع النساء في مقدمة القوائم، لتصل نسبة التمثيل اليوم إلى ما يقرب من ربع مقاعد البرلمان، غير أن هذا التطور الرقمي الملحوظ لم يترجم إلى تمكين حقيقي داخل اللجان البرلمانية الفعالة أو المناصب القيادية الحزبية العليا التي لا تزال حكرًا على الرجال.
إن هذا الانتعاش الرقمي يواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا مع اقتراب الاستحقاقات والانتخابات التشريعية في عام 2026، حيث يثور السؤال الجوهري حول مدى قدرة المرأة المغربية على الفوز بالمقاعد عبر الصناديق المحلية والمنافسة المباشرة دون الاعتماد على مسكنات التمييز الإيجابي والكوتا القانونية. ويؤكد الواقع المرير أن الأحزاب السياسية ما زالت تحتفظ بالسطوة المطلقة وترفض تمكين النساء داخل مطبخ صناعة القرار الحزبي وتشكيل اللوائح، مما يجعل الصعود البرلماني الحالي مجرد واجهة رقمية وديكور مؤسساتي يخفي خلفه بنية سياسية ذكورية متعنتة تقاوم التغيير الفعلي وتكتفي بتعديل الإحصائيات لامتصاص الغضب الحقوقي والنسائي وإرضاء المنظمات الدولية الفاعلة في هذا الشأن السياسي المعقد والمضطرب للغاية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى