مقالات وآراء

نادر فتوح يكتب: بعد ثلاثة عشر عامًا.. هل حان وقت مراجعة 30 يونيو؟

مع كل ذكرى للثلاثين من يونيو، يعود المصريون إلى المربع ذاته؛ احتفال هنا، وحداد هناك، وسجال لا يكاد يتغير منذ أكثر من عقد.

فريق يرى أنها أنقذت الدولة، وفريق يراها اللحظة التي انكسر فيها أول مسار ديمقراطي عرفته مصر، وبين الروايتين تضيع الأسئلة التي كان ينبغي أن تكون هي محور النقاش منذ البداية.

فالأحداث الكبرى لا تُقاس بما قيل عنها في لحظة اشتعالها، وإنما بما تتركه من آثار في حياة الشعوب بعد سنوات، والتاريخ لا يكتب بيانات التأييد ولا بيانات الرفض، بل يكتب الحصاد.

لا خلاف على أن الثلاثين من يونيو شهد خروج أعداد كبيرة من المصريين إلى الشوارع، كما أنه لا خلاف على أن الرئيس الراحل محمد مرسي كان أول رئيس مدني منتخب عبر انتخابات تعددية شهد لها الداخل والخارج بالنزاهة، والخلاف الحقيقي لا يبدأ من هاتين الحقيقتين، بل من السؤال الذي أعقبها.. كيف تُدار الخلافات السياسية في الدول التي تؤمن بالديمقراطية؟

هل يكون الجواب في صندوق الاقتراع، أم في تدخل المؤسسة العسكرية لإنهاء المسار السياسي برمته؟

قد تختلف الإجابات باختلاف المواقف، لكن الديمقراطية، في جوهرها، لا تُبنى على إسقاط الحكومات بالقوة، وإنما على الاحتكام إلى الدستور، واحترام قواعد تداول السلطة، والقبول بأن الصندوق هو الوسيلة الوحيدة لمنح الشرعية وسحبها. فالاحتجاج حق أصيل، أما تغيير السلطة فله آليات دستورية، وإلا أصبح استقرار أي نظام سياسي مرهونًا بمن يستطيع حشد الشارع أكثر.

وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية.. هل كانت الثلاثون من يونيو ثورة بالمعنى السياسي والتاريخي، أم كانت حراكًا شعبيًا انتهى بتدخل المؤسسة العسكرية؟

فالثورات ليست مجرد حشود تملأ الميادين، وإنما لها مقومات وشروط؛ رؤية للتغيير، وقطيعة مع النظام القائم، وإرادة مستقلة تقود مسارًا جديدًا، وتؤسس لشرعية مختلفة. ومن هذا المنظور، تبقى ثورة الخامس والعشرين من يناير هي الحدث الذي استوفى مقومات الثورة في التاريخ المصري المعاصر، إذ قامت على إسقاط نظام حكم قائم، وفتحت الباب أمام دستور جديد، وانتخابات تعددية، وتداول سلمي للسلطة لأول مرة.

أما الثلاثون من يونيو، فقد كانت بلا شك لحظة سياسية فارقة، لكنها انتهت إلى عودة المؤسسة العسكرية لتكون الفاعل الحاسم في تقرير مستقبل السلطة، ولهذا فإن الجدل حول توصيفها لم يتوقف حتى اليوم؛ هل كانت ثورة، أم احتجاجًا شعبيًا استُخدم لإنهاء تجربة ديمقراطية ناشئة؟ والسؤال، في النهاية، لا تحسمه الشعارات، بل تحسمه النتائج التي أفرزها المسار الذي أعقبها.

لا يعني ذلك أن تجربة الرئيس محمد مرسي كانت بلا أخطاء، فقد تعرضت لانتقادات واسعة، وبعضها كان مشروعًا، لكن السؤال الذي لم يفقد وجاهته حتى اليوم هو.. هل كانت تلك الأخطاء تستوجب إنهاء أول تجربة ديمقراطية في تاريخ مصر، أم كان الأولى تصحيحها عبر الأدوات الديمقراطية نفسها التي جاءت بها؟

هذا السؤال لا تحسمه العواطف، وإنما تحسمه النتائج

وبعد أكثر من عقد، تبدو الصورة مختلفة كثيرًا عن الوعود التي رُفعت آنذاك، فقد شهدت مصر ارتفاعًا كبيرًا في حجم الدين العام، وقفزات متتالية في معدلات التضخم، وتراجعًا في القوة الشرائية، وانخفاضًا في قيمة العملة، وأصبحت الضغوط المعيشية جزءًا من الحياة اليومية لملايين الأسر.

وفي المجال السياسي، انكمشت مساحات العمل العام، وتراجعت المنافسة الحزبية، وأصبحت الانتخابات موضع تساؤل لدى كثيرين بشأن مستوى التنافس الحقيقي فيها، بينما استمرت الانتقادات الحقوقية المتعلقة بحرية التعبير، وأوضاع المحتجزين في القضايا ذات الطابع السياسي، ودور الإعلام المستقل.

أما اجتماعيًا، فقد تركت سنوات ما بعد الثلاثين من يونيو أثرًا عميقًا على النسيج الوطني. اتسعت دوائر الاستقطاب، وتراجعت الثقة بين قطاعات من المجتمع والدولة، وأصبح الخوف من التعبير عن الرأي حاضرًا لدى كثيرين، وهو ما انعكس على المجال العام بأكمله.

قد يرى البعض أن ما حدث كان ضرورة فرضتها ظروف تلك المرحلة، وأن البديل كان أكثر خطورة. وهذا رأي يستحق النقاش. لكن حتى مع التسليم بهذه الفرضية، يبقى السؤال المشروع.. هل حققت السياسات التي تلت الثلاثين من يونيو الأهداف التي أعلنت من أجلها؟

هل أصبحت مصر أكثر استقرارًا سياسيًا؟

هل أصبحت أكثر عدالة؟

هل تحسن مستوى معيشة المواطن؟

هل أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج وتقليل الاعتماد على الديون؟

وهل توسعت مساحة المشاركة السياسية، أم تقلصت؟

إن تقييم التجارب السياسية لا يكون بالنوايا، وإنما بالنتائج. والنتائج هي المعيار الذي يحتكم إليه التاريخ، لا الشعارات ولا الخطابات. ومن حق أي شعب أن يعيد تقييم تجاربه، وأن يراجع مساراته، وأن يسأل عمّا تحقق وما لم يتحقق، دون أن يُتهم بالخيانة أو يُمنع من طرح الأسئلة.

فالأمم الحية لا تقدس الأحداث، ولا تحول القرارات السياسية إلى مسلمات، وإنما تراجعها باستمرار، لأن المراجعة ليست اعترافًا بالهزيمة، بل شرطًا للتعلم ومنع تكرار الأخطاء.

وربما تكون هذه هي القضية الأهم بعد أكثر من عقد على الثلاثين من يونيو؛ ليس من انتصر في معركة الروايات، وإنما ماذا ربحت مصر نفسها.

فالانتصار الحقيقي لا يكون بانتصار فريق على آخر، وإنما بانتصار الدولة على أزماتها، والقانون على الاستثناء، والحرية على الخوف، والديمقراطية على الإقصاء، وصندوق الاقتراع على كل وسيلة أخرى لتداول السلطة.

وحين يصبح الاحتكام إلى إرادة المواطنين هو الطريق الوحيد للتغيير، ويصبح الاختلاف السياسي أمرًا طبيعيًا لا جريمة، عندها فقط يمكن القول إن مصر لم تستفد من التجارب السابقة فحسب، بل تجاوزتها إلى مستقبل أكثر نضجًا وعدلًا واستقرارًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى