شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: ورقة من كتاب «الغبي».. الممثل الذي صدق الدور

«أخطر الأدوار ليست تلك التي يؤديها الإنسان أمام الناس… بل تلك التي يواصل أداءها حتى ينسى أنها لم تكن يومًا حياته.»

لا يولد الإنسان ممثلًا، لكنه يولد محتاجًا إلى القبول. ومنذ تلك اللحظة تبدأ الحكاية. يكتشف أن وجهًا معينًا يجلب المحبة أكثر من غيره، وأن نبرة بعينها تفتح الأبواب، وأن موقفًا محددًا يلفت الأنظار، فيكرره. ثم يكرره مرة أخرى. ثم يمضي العمر، فينسى أن ما بدأ وسيلة للقبول، صار هوية يعيش داخلها. هنا لا يبدأ التمثيل… هنا يبدأ الغباء.

ليس أخطر ما في الدور أنه يخدع الآخرين، بل أنه ينجح، مع الوقت، في خداع صاحبه. فما أكثر الأدوار التي بدأت باجتهاد صغير، أو مبالغة عابرة، أو بطولة مزعومة، ثم تحولت إلى سيرة ذاتية كاملة. وما أكثر الذين وقفوا أمام الناس يؤدون شخصية اختاروها بإرادتهم، ثم غادروهم وقد فقدوا القدرة على العودة إلى الشخص الذي كانوا عليه قبل أن يبدأ العرض.

على امتداد أكثر من أربعين عامًا بين الصحافة والإعلام والسياسة، رأيت وجوهًا كثيرة تدخل إلى الأضواء وهي تعرف تمامًا أنها تؤدي دورًا. لكن السنوات كانت أقسى من أن تسمح لها بالعودة. رأيت من بدأ بطلاً في حكاية لا تخصه، ثم عاش بقية عمره أسيرًا لها. ورأيت من اكتشف أن الجمهور لا يحب حقيقته، فاختار أن يطعمهم نسخة أكثر إثارة، ثم انتهى إلى تصديقها هو قبل أن يصدقها الناس.

ولعل أكثر ما كان يثير دهشتي أن بعضهم لم يعد يميز بين ما عاشه وما رواه عن نفسه. كنت أستمع إلى حكايات كنت شاهدًا على تفاصيلها، فأجد أدوارًا أضيفت، ومواقف استحدثت، وبطولات خرجت من العدم، حتى يخيل إليك أن الذاكرة نفسها أعادت كتابة التاريخ. وكنت أقول في نفسي، ساخرًا بحزن: أما كان في الصبر متسع حتى يغيب الشهود؟ لماذا هذا الاستعجال على احتلال مقعد لم يكن يومًا لصاحبه؟

ليست الشهرة هي التي تصنع هذا المرض، لكنها تمنحه الغذاء الذي يحتاجه. فالشاشة لا تخلق الوهم، بل تكافئه أحيانًا. والتصفيق لا يكتب الرواية، لكنه يغري صاحبها بإعادة قراءتها حتى يحفظها عن ظهر قلب. وما وسائل التواصل إلا مسارح واسعة، تكافئ الشخصية الأعلى صوتًا، والأكثر إثارة، والأشد يقينًا، حتى لو كانت أبعد الجميع عن الحقيقة.

هناك مرض خفي لا تتحدث عنه كتب الطب، لكنه ينتشر كلما اتسعت الشاشات. يمكن أن نسميه مرض الدور. يصيب الإنسان عندما يصبح رزقه، أو شهرته، أو مكانته، معلقة بشخصية صنعها، فيغدو أسيرًا لها. يخاف أن يراجعها، لأن المراجعة قد تكلفه جمهوره. ويخاف أن يعترف، لأن الاعتراف قد يكلفه صورته. ويخاف أن يصمت، لأن الصمت قد يذكره بالشخص الذي دفنه تحت طبقات الأداء.

الغريب أن هذا المرض لا يصيب المشاهير وحدهم. قد يصيب أستاذًا في قاعة درس، أو داعية فوق منبر، أو سياسيًا في مؤتمر، أو أبًا داخل بيته. كل واحد منهم قد يرتدي دورًا، ثم يطيل ارتداءه حتى يلتصق بجلده. وما إن يحاول خلعه، حتى يكتشف أن القناع لم يعد فوق الوجه… بل صار جزءًا منه.

هنا يتدخل الغباء في أكثر صوره مكرًا. لا يقول لصاحبه: اكذب. بل يقول له: واصل الأداء. لا يطلب منه أن يخدع الناس، بل أن يحافظ على الشخصية التي أحبوها فيه. شيئًا فشيئًا، يتحول الوفاء للحقيقة إلى تهديد، بينما يصبح الوفاء للدور فضيلة. وهكذا لا يعود الإنسان يعيش ليعرف نفسه، بل يعيش ليحافظ على النسخة التي اعتاد الجمهور التصفيق لها.

أخطر ما في هذا كله أن الإنسان لا يشعر بالتحول وهو يحدث. فالدور لا يبتلع صاحبه دفعة واحدة، بل يقضم منه أجزاء صغيرة كل يوم. يتنازل اليوم عن اعتراف، وغدًا عن مراجعة، وبعد غد عن حقيقة يعرفها، حتى يأتي يوم يقف فيه أمام نفسه فلا يجد إلا الشخصية التي صنعها بيديه. عندها لا يعود يحتاج إلى الكذب، لأن الوهم أصبح يتكلم بصوته، ويمشي بقدميه، ويبتسم بملامحه.

ليس الغبي، في هذا الفصل، هو من أدى دورًا؛ فالحياة كلها أدوار.
الغبي هو من نسي أن يخلعه.
هو الذي صدق أن النص الذي حفظه هو سيرته، وأن الشخصية التي أحبها الناس هي حقيقته، وأن التصفيق شهادة صدق.

[ وما أشد قسوة اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن الجميع كانوا يعرفون أنه يمثل… إلا هو.]

الحكيم لا يخاف أن يسقط عنه القناع، لأنه لم يجعل منه وجهه.
أما الغبي، فيرتجف من فكرة العودة إلى نفسه، لأن نفسه الحقيقية أصبحت غريبة عنه.
ولذلك يبقى يؤدي الدور حتى بعد انصراف الجمهور،
ويتحدث باللهجة نفسها، ويكرر العبارات نفسها، ويعيش داخل المشهد نفسه،
وكأن الستار لم يسدل أبدًا.

وربما كانت الحرية، في معناها الأعمق، هي أن يمتلك الإنسان شجاعة العودة إلى وجهه الأول، او شجاعة وقوة تطوير أدواره،
قبل أن تلتهمه الشخصيات القديمة التي اخترعها
وقبل أن ينسى أن الحقيقة لا تحتاج إلى ممثل بارع، بل إلى إنسان صادق.
فالغباء لا يبلغ ذروته عندما يتوهم الغبي قدرته الدليمي ان يخدع الناس، وإنما عندما ينجح، بعد سنوات طويلة من الأداء، في أن يخدع نفسه فيتحول إلي اول ضحايا غباؤه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى