
الأردن لا يحتاج حكومة جديدة… بل يحتاج مدرسة جديدة في اختيار رؤساء الحكومات والوزراء في كل مرة يُثار فيها الحديث عن تشكيل حكومة جديدة
في الأردن، ينصرف الاهتمام سريعًا إلى أسماء المرشحين لرئاسة الوزراء والحقائب الوزارية، وكأن تغيير الأشخاص وحده كفيل بتغيير النتائج. لكن التجربة الأردنية الممتدة لعقود تدفعنا إلى طرح سؤال أكثر عمقًا: ما هي المعايير التي يجب أن تُبنى عليها عملية اختيار رئيس الوزراء والوزراء؟
لقد اعتدنا في كثير من الأحيان على تقييم المرشحين من خلال شبكة العلاقات، ومدى قبولهم لدى مختلف الأطراف، وقدرتهم على العمل ضمن المنظومة القائمة. وهي عوامل قد تكون ذات أهمية في أي نظام سياسي، لكنها لا ينبغي أن تكون المعيار الحاسم إذا جاءت على حساب عناصر أكثر جوهرية، مثل الكفاءة، والقدرة القيادية، والرؤية الاستراتيجية، والخبرة العملية، والقدرة على اتخاذ القرار، وحل المشكلات، وإدارة الأزمات، وصناعة المستقبل.
كثيرًا ما تُستخدم كلمة الولاء بوصفها قيمة أساسية في اختيار المسؤولين، وهي بلا شك قيمة مهمة في خدمة الدولة واحترام مؤسساتها والدستور. غير أن الولاء وحده لا يكفي لبناء حكومة ناجحة. فالدول الحديثة لا تنهض بالولاء فقط، وإنما بالكفاءة، والإنجاز، والإبداع، وتحمل المسؤولية، والقدرة على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
إن اختيار رئيس الوزراء لا ينبغي أن يقتصر على سيرته الوظيفية أو المناصب التي تقلدها، بل يجب أن يمتد إلى فهم شخصيته القيادية، وثقافته، وبيئته الاجتماعية، وتجارب حياته، وطريقة تفكيره، وقدرته على الابتكار، وكيفية تعامله مع الفشل والنجاح، ومدى استعداده لاتخاذ قرارات صعبة عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.
فالقيادة ليست مجرد منصب، بل هي مزيج من الذكاء، والخبرة، والخيال، والانضباط، والشجاعة، والقدرة على إلهام الآخرين. وهي صفات تتشكل عبر سنوات طويلة من التجارب والتحديات، وليست نتاجًا للوظيفة وحدها.
وعندما ننظر إلى تجارب العالم، نجد أن القادة الذين تركوا بصمة تاريخية لم يصلوا إلى مواقعهم لأنهم كانوا الأكثر قربًا من دوائر القرار او تابعين للأجهزة ، بل لأنهم امتلكوا رؤية مختلفة، واستطاعوا تحويل الأزمات إلى فرص.
فالمستثمر العالمي وأرن بوفيت Warren Buffett لم يبنِ إمبراطوريته المالية بالصدفة، وإنما عبر الانضباط، والرؤية بعيدة المدى، والقدرة على اتخاذ قرارات عقلانية في أصعب الظروف.
كما أن بيل جيتس Bill Gates لم يغير صناعة التكنولوجيا لأنه كان الأغنى، بل لأنه امتلك رؤية سبقت عصره، واستثمر في المعرفة والابتكار قبل أن يدرك الآخرون قيمتهما.
أما ونستون تشرشل Winston Churchill فقد أصبح رمزًا للقيادة في زمن الحرب بفضل صلابته وقدرته على توحيد شعبه في مواجهة أخطر التحديات.
وفي أوروبا، قدمت انجلا ميريكل Angela Merkel نموذجًا للقيادة الهادئة القائمة على التخطيط والبراغماتية، واستطاعت إدارة أزمات مالية وسياسية معقدة، إضافة إلى أزمة الهجرة، محافظة على استقرار أكبر اقتصاد أوروبي.
وفي آسيا، استطاع لي لوونج Lee Hsien Loong أن يقود سنغافورة نحو مزيد من الابتكار والتنافسية والنمو الاقتصادي، معتمدًا على الاستثمار في الإنسان والتعليم والتكنولوجيا.
وفي المجال الاقتصادي العالمي، لعبت كريستين ليغارد Christine Lagarde دورًا محوريًا في قيادة السياسات النقدية خلال فترات اقتصادية شديدة الحساسية، بينما كان راغورام راجان Raghuram Rajan أحد أبرز الأصوات الإصلاحية التي ساهمت في تعزيز استقرار الاقتصاد الهندي وإصلاح القطاع المالي.
هذه النماذج لا تُطرح للمقارنة المباشرة مع الأردن، وإنما للتأكيد على أن الدول التي تحقق النجاح تبحث عن قادة يمتلكون رؤية واضحة، ويؤمنون بالعلم، ويستثمرون في الكفاءات، ويملكون الشجاعة لاتخاذ القرارات الصعبة.
واليوم، يقف الأردن أمام تحديات اقتصادية وإقليمية ودولية متشابكة؛ من النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين التعليم والرعاية الصحية، إلى الأمن المائي والطاقة والتحول الرقمي. وهذه الملفات تتطلب حكومة لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تعمل على إعادة تشكيله.
إن الأردن بحاجة إلى رئيس وزراء يمتلك رؤية اقتصادية وتنموية تمتد لعقود، وليس لدورة حكومية قصيرة. رئيس وزراء يقود فريقًا وزاريًا متكاملًا، يضم أصحاب الاختصاص والخبرة، ويؤمن بالعمل المؤسسي، ويقيس النجاح بالمؤشرات والنتائج، لا بعدد الاجتماعات أو البيانات الصحفية.
كما أن البلاد بحاجة إلى وزراء أصحاب إنجازات في مجالاتهم، قادرين على اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، والعمل بروح الفريق الواحد، بعيدًا عن البيروقراطية والتردد، وقادرين على التواصل مع المواطنين والاستماع إليهم.
فالحكومة الناجحة ليست تلك التي تُحسن إدارة الأزمات فقط، وإنما التي تمنع الأزمات قبل وقوعها، وتبني اقتصادًا أكثر تنافسية، ومؤسسات أكثر كفاءة، ومجتمعًا أكثر ثقة بمستقبله.
إن الدول لا تُقاس بعدد الحكومات التي تُشكَّل، بل بعدد الإنجازات التي تحققها تلك الحكومات. والتاريخ لا يتذكر أسماء المسؤولين بقدر ما يتذكر ما تركوه من أثر وإصلاح وإرث مؤسسي يستفيد منه من يأتي بعدهم.
الأردن يمتلك من الطاقات البشرية والكفاءات العلمية والخبرات الدولية ما يؤهله لتحقيق قفزات نوعية في مختلف القطاعات. وما يحتاجه اليوم هو منظومة اختيار ترتكز على الجدارة والكفاءة والقدرة على الإنجاز، بحيث تكون المسؤولية العامة تكليفًا لمن يستطيع تقديم الحلول وصناعة الفرص.
إن المرحلة المقبلة تتطلب رئيس وزراء استثنائيًا؛ قائدًا ديناميكيًا، مبتكرًا، يجيد تحويل الأفكار إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، ويملك الجرأة على اتخاذ قرارات غير تقليدية عندما تفرضها المصلحة الوطنية. قائدًا يرى الفرص حيث يرى الآخرون العقبات، ويبتكر الحلول حيث يتوقف الآخرون عند المشكلات، ويؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن نجاح الأردن لا يقاس فقط بالنمو الاقتصادي، بل أيضًا بقدرته على بناء مجتمع مزدهر، مستقر، وسعيد، يشكل نموذجًا يحتذى به في المنطقة والعالم.







