انتفاضة الجامعات الإيرانية تشتعل وأمن طهران يحول منشآت التعليم إلى ثكنات عسكرية

تشهد الأوساط الجامعية في إيران حالة عارمة من الغليان والتوتر المتصاعد، على خلفية اتساع دائرة الاحتجاجات الطلابية العنيفة بالتزامن مع صدور حزمة من القرارات الانضباطية المشددة، وازدياد الحضور الأمني المكثف لأجهزة الاستخبارات والشرطة داخل الحرم الجامعي لعدد من المؤسسات الأكاديمية الكبرى، وجاءت هذه التطورات الميدانية الصادمة لتفجر موجة عارمة من الجدل والرفض الواسع النطاق لما بات يُعرف في الشارع الإيراني بمخطط “أمننة الجامعات” الممنهج، والذي أدى إلى تراجع مخيف في استقلال البيئة التعليمية، وتحويل فضاءات البحث العلمي والإدارة الأكاديمية إلى ساحات للمراقبة الأمنية اللصيقة والتنكيل بالدارسين، وفق ما تداولته التقارير الصادرة اليوم الأربعاء 1 يوليو 2026.
وفي بيان ناري شديد اللهجة أصدرته مجموعة من طلاب جامعة “تربيت مدرس” العريقة بالعاصمة طهران، أعلن الطلاب رفضهم القاطع وإدانتهم البالغة للتصعيد الحكومي غير المبرر في إصدار الأحكام الانضباطية والأمنية الجائرة بحق زملائهم، مؤكدين أن هذه الإجراءات التعسفية تكشف بوضوح عن استمرار وتعاظم الضغوط البوليسية المفروضة على البيئة الجامعية، وشدد الطلاب في بيانهم التاريخي على أن كل القيود المفروضة بقوة السلاح لن تفلح في الحد من نشاطهم المدني أو تكميم أفواههم عن المطالبة بحقوقهم، بل ستسهم مباشرة في تعميق الفجوة وتوسيع هوة الخلاف بين المجتمع الطلابي والجهات الإدارية والرسمية التابعة للنظام، مطالبين بالاحترام الفوري لحرية التعبير والعمل النقابي ووقف الملاحقات الأمنية.
ولم تتوقف الانهيارات عند حدود التظاهر، بل شهد “المعهد الوطني للهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية” تطوراً خطيراً وغير مسبوق، تمثل في تقديم 4 من أبرز أعضاء المجلس الطلابي لاستقالة جماعية مسببة إلى إدارة المعهد، حيث كشف الأعضاء الأربعة في رسالة رسمية ومفتوحة موجهة إلى رئيس المعهد، أنهم وصلوا إلى طريق مسدود بعد أشهر طويلة من محاولات فتح قنوات اتصال شرعية مع الإدارة لنقل مظالم ومطالب الطلاب المشروعة، إلا أنهم لم يلمسوا سوى التجاهل المتعمد والصد التام من قِبل المسؤولين، الأمر الذي أدى إلى انهيار الثقة الجماعية في جدوى المجلس، واشتعال موجات الاستياء العارم والغضب المكتوم بين صفوف الحركة الطلابية التي باتت ترى الإدارة شريكاً في قمعها.
وبالتوازي مع هذه الاستقالات المدوية، فجرت السلطات الإيرانية موجة جديدة من الرعب والاعتراض العنيف داخل الأوساط الطلابية، عقب صدور قرار حكومي يقضي بنقل جزء من قوات ومعدات وأسلحة مركز شرطة “جيتكر” إلى داخل أحد المباني التابعة للمعهد الوطني للهندسة الوراثية ذاته، وأفاد الطلاب في شهادات ميدانية مرعبة بأن المبنى التعليمي الذي تم احتلاله وتحويله إلى مقر لعناصر الشرطة يقع بمحاذاة مباشرة وبشكل ملاصق لسكن الطالبات المغتربات، مما ضاعف من المخاوف والتهديدات الأمنية والأخلاقية المحيطة بالحياة اليومية للطالبات داخل الحرم، وخلق بيئة مرعبة من التلصص والمراقبة الدائمة المفروضة على أدق تفاصيل تحركاتهن اليومية.
وتدرجت التبريرات الرسمية الواهية لتكشف أن هذا الإجراء القمعي جاء بعد تعرض مبنى مركز شرطة “جيتكر” الأصلي لأضرار بالغة وتدمير أجزاء منه خلال الحرب الأخيرة، مما دفع النظام إلى إعادة تمركز القوات المسلحة والآليات العسكرية داخل المنشآت البحثية والتعليمية التابعة للمعهد، وهو التصرف الذي وصفه الأكاديميون والطلاب بأنه عملية اقتحام سافرة تقضي على الطابع المدني للمؤسسات وتجعل منها هدفاً عسكرياً محتملاً في أي تصعيد مسلح قادم، ورداً على ذلك أصدر طلاب المعهد رسالة علنية طالبوا فيها بالخروج الفوري والكامل لقوات الأمن من منشآتهم، معتبرين أن استمرار هذا التواجد البوليسي يتعارض تماماً مع مواثيق التعليم وحقوق الإنسان الدولية.
وتعكس هذه السلسلة المتلاحقة من القمع الانضباطي والملاحقات والاعتقالات وصولاً إلى عسكرة المعاهد البحثية، تصاعد التحذيرات الدولية والمحلية من مغبة إصرار النظام الإيراني على إضعاف استقلال الجامعات وتقييد الأنشطة النقابية، حيث يرى مراقبون للشأن الإيراني أن تحويل الصروح العلمية إلى مرتع لعناصر الأمن وشرطة “جيتكر” يهدد سلامة وحياة الآلاف من الطلاب والطالبات، ويقضي تماماً على أي فرصة للتعليم الحر والمستقل، وسط إصرار من التجمعات الطلابية على مواصلة نضالهم وتصعيد احتجاجاتهم في الشوارع حتى إخلاء منشآتهم التعليمية من المظاهر المسلحة وإعادة الاعتبار للحرم الجامعي والكرامة الطلابية المهدورة.







