انطلاق معرض غزة بالألوان بتحكي لتحدي مأساة 3 أعوام من القصف والدمار

شهد قطاع غزة، انطلاق فعاليات المعرض الفني التشكيلي “غزة بالألوان بتحكي”، الذي نظمته جامعة دار الكلمة لربط الإبداع بالمعاناة. يجمع هذا الحدث الثقافي الاستثنائي بين لوحات فنية أبدعتها فنانات غزة ومجسمات صنعها الأطفال، في محاولة لنقل الخبرات وتدريب الصغار على تفريغ مشاعرهم وترجمة أحاسيسهم من خلال الفن والألوان، وذلك بعد مرور 3 أعوام من الحرب الطاحنة والهجوم المستمر الذي عصف بكافة مناحي الحياة وحول البيئة إلى ركام.
مأساة النزوح والأسرى تحت قبة الفن
ناقش المعرض موضوعات حيوية تمس الواقع، وفي مقدمتها قضية المنازل المهدمة، ومرارة النزوح، وملف الأسرى، وإبراز معاناة النساء اليومية من خلال اللوحات وأعمال النحت. وأوضحت سماح القيشاوي، إحدى منسقات المعرض، أن هذا الحدث يأتي كصرخة في وجه الدمار بعد 3 سنوات من القصف الذي حول غزة من مدينة تشع بالألوان الزاهية إلى ركام يكسوه الرماد. وأشارت القيشاوي إلى أن غالبية الأعمال المشاركة تجسد الأمل الكبير في تحقيق مستقبل أفضل تنتهي فيه المعاناة وتتوفر فيه الاحتياجات الأساسية كالمسكن والمساحات الخضراء وسط الخراب.
أزمات خانقة تلاحق المبدعين في القطاع
وعن الأزمات التي واجهت التحضير، أكدت سماح القيشاوي أن أبرز الصعوبات تمثلت في عدم توفر المعدات الفنية والمواد الخام، والارتفاع الجنوني والغلاء الفاحش في الأسعار، فضلاً عن أزمة المواصلات وصعوبة التنقل. وذكرت أن الوضع بلغ من السوء حد أن بعض الفنانات أرسلن لوحاتهن اليوم ولم يتمكنَّ من حضور المعرض بأنفسهن بسبب تلك الظروف، معتبرة المعرض فرصة للفنانات والأطفال لإرسال رسائل واضحة للعالم حول أحلامهم وطموحاتهم، واستعادة صورة غزة القديمة التي كانت قائمة قبل الحرب وتدمير المعالم.
من جانبها، أكدت الفنانة راما أبو صفية أن إقامة المعرض الفني يمثل جرعة أمل حقيقية لها ولكافة المشاركين والمشاركات، بل ويمتد الأثر ليشمل الحضور والزوار الذين قرروا تخصيص جزء من يومهم لمجالسة الألوان. وأضافت أبو صفية أنها مزجت مشاعر الانتظار والأمل في لوحاتها لتوصيل رسالة مفادها أن الأحلام ستتحقق مهما طال الصبر وتأخرت الأمور ما دامت العزيمة والهمة حاضرة في النفوس، مشيرة إلى أنها حرصت على دمج عناصر التراث الفلسطيني العريق داخل لوحاتها لتوثيق الهوية الوطنية الراسخة.
إعادة التدوير وسيلة لمواجهة الحصار الصعب
وفي السياق ذاته، كشفت الفنانة نور مطر أن الأغلبية العظمى من الأعمال المشاركة جرى إنتاجها بالاعتماد على إعادة تدوير المواد المتاحة في البيئة المدمرة، لينتج عن ذلك فن صديق للبيئة صنعته أيدي الأطفال والفنانات برغم انعدام الإمكانيات. وأشارت مطر إلى التوافق التام بين اسم المعرض والمنتجات الفنية التي رأت النور، حيث جاءت كلها بألوان زاهية تتحدث عن مدينة غزة قبل الحرب وبعدها، مجسدة الوجع والألم اليومي ولكن بنظرة تفاؤلية ملونة ترفض الاستسلام والخنوع للواقع الصعب.
وأضافت نور مطر أنه جرى تجسيد بيوت المخيم المتلاصقة التي دمرتها الحرب، والتي ورغم لونها الرمادي إلا أنها تظل في نظر الفلسطيني أفضل من حياة الخيام التي أُجبر سكان القطاع على العيش فيها الآن بسبب النزوح. وأوضحت أن المواد الخام المستخدمة في صناعة المجسمات كانت من الكرتون وعجينة الورق التي أضيفت إليها الألوان لتتحول إلى مجسمات تجسد بيت الحلم للأطفال والمساحات الخضراء التي يتمنون اللعب داخلها، بالإضافة إلى تجسيد أسطوانة غاز الطهي كبديل لإشعال النيران البدائية التي أنهكت أجسادهم الضعيفة.
الفن كعلاج نفسي لتفريغ الضغوط اليومية
كما أشارت مطر إلى استخدام عجينة السيراميك المصنوعة من النشا والغراء لتثبيت القطع على الإطارات المعدنية، واصفة الفن بأنه علاج نفسي فعال لتفريغ الضغوط ومساعدة النفس في تقديم الأفضل تحت وطأة الحصار. بدورها، أعربت الفنانة ربا السكني عن سعادتها بالمشاركة، مشيرة إلى أن حضورها جاء للتعبير عن الأمل عبر 11 لوحة فنية قدمتها للإدارة، إلا أنه بسبب الإقبال الكبير من الفنانات وأعمال الأطفال، تم عرض لوحة واحدة فقط لها وسط فخر بالجهد الجماعي المتميز.
وأكدت السكني فخرها بالجهد الذي صنع من العدم لوحات تعبر عن الثقافة والذوق، موجهة رسالة بأن فلسطين ومعاناة نسائها حاضرة دائماً في أعمالها الفنية. وفي ختام اللقاء، أوضحت الفنانة البصرية جهاد جربوع أنها تشارك كمدربة لنقل خبراتها في الرسم والنحت للأطفال والشابات، مشيرة إلى الصعوبات في توفير الطين، مما دفع الفريق لجمعه من الأراضي الزراعية وإعادة تدويره لإنتاج أعمال حظيت بإعجاب الزائرين وأثبتت قدرة الغزيين على صياغة الجمال من وسط الركام والرماد والدمار الشامل المستمر منذ سنوات طويلة.







