خليفة حفتر يستقبل نجيب ساويرس في بنغازي لبحث ميزانيات الإعمار المليارية بليبيا

شهدت مدينة بنغازي تطورات مثيرة للجدل عكست حجم التداخل الكبير بين المال والسياسة في ملف إعادة إعمار ليبيا، حيث أعلنت القيادة العامة في شرق البلاد أن اللواء المتقاعد خليفة حفتر استقبل، في مكتبه، رئيس مجلس إدارة شركة أوراسكوم للاستثمار القابضة رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس. وجرى خلال هذا اللقاء الموسع استعراض ومناقشة كافة فرص الاستثمار المتاحة في مشاريع التنمية الجارية التي تشرف عليها القيادة العامة مباشرة، وإمكانية مساهمة الشركة المصرية العملاقة في مشاريع الإعمار والبناء بمختلف المدن والمناطق الليبية. وحضر الاجتماع رئيس الجهاز الوطني للتنمية جبريل البدري، وهو الجهاز التابع مباشرة لصدام حفتر، مما يعكس الرغبة الواضحة في فتح قنوات اتصال مباشرة للاستثمار الأجنبي دون وسطاء تقليديين. وتأتي زيارة ساويرس المباشرة إلى بنغازي بعد أيام قليلة من زيارة قام بها إلى سورية، حيث التقى هناك الرئيس السوري أحمد الشرع وبحث معه مجالات التطوير العقاري والإنشاءات البنيوية وتأهيل البنية التحتية المتهالكة، ضمن توجه دمشق لتعزيز جاذبيتها الاقتصادية أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية الجديدة.
وتتزامن هذه التحركات الاقتصادية المفاجئة مع نشاط دبلوماسي مكثف لأبناء خليفة حفتر في العاصمة الأميركية واشنطن، حيث قام بلقاسم حفتر، رئيس صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بزيارة سريعة إلى الولايات المتحدة التقى خلالها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس، وناقش الطرفان المشروعات الاستراتيجية الكبرى التي ينفذها الصندوق، وفرص توسيع الشراكة الاقتصادية مع المؤسسات والخبرات الأميركية المتخصصة. وفي الوقت ذاته، زار شقيقه صدام حفتر واشنطن منذ يومين والتقى بمسؤولين أميركيين بارزين على رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو لبحث ملفات توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية في البلاد، مما يوضح حجم التنافس المحموم والواضح بين الشقيقين لفرض السيطرة الكاملة واستغلال ملف الإعمار لتثبيت نفوذهما الخارجي والداخلي أمام القوى الدولية الكبرى.
وتكشف البيانات الرسمية عن فروق صارخة وتناقض غريب بين المشروعات المعلنة وما هو منفذ فعليًا على الأرض؛ فمنذ تبني قيادة حفتر خطاب الإعمار والبناء خلال السنوات الماضية، جرى تقسيم العمل بين جهازين متنافسين؛ الأول هو صندوق التنمية وإعادة الإعمار بقيادة بلقاسم حفتر الذي أعلن إنجاز 172 مشروعاً ووجود 200 مشروع قيد التنفيذ، بينما لا يرى المواطن الليبي على الأرض سوى مشاريع محدودة للغاية مثل ملعب كرة قدم وفندق وجسرين في بنغازي. أما الجهاز الثاني فهو الجهاز الوطني للتنمية بقيادة صدام حفتر الذي أعلن افتتاح مطاري سبها وسرت وإنشاء أكثر من 26 مدرسة نموذجية وتنفيذ أكثر من 90 مشروعاً تنموياً في قطاعات مختلفة، وبناء مئات الوحدات السكنية وصيانة شبكات البنية التحتية ورصف الطرق، وسط غياب تام للشفافية حول كيفية إدارة وتوزيع هذه المشروعات الضخمة.
ويكمن اللغز الأكبر في تضخم حجم التمويل الموجه للصندوق والجهاز ومصادره غير الواضحة، حيث خصص مجلس النواب في البداية 10 مليارات دينار لصندوق بلقاسم عند إنشائه مطلع عام 2024، ثم قفز المبلغ فجأة ليصل إلى نحو 55 مليار دينار، أي ما يعادل 8.7 مليارات دولار، ولم يكتف الصندوق بذلك بل طلب في يوليو 2025 إضافة 69 مليار دينار أخرى، لتصل المطالبات الإجمالية إلى نحو 10.9 مليارات دولار، وهي أرقام فلكية لا تتناسب أبدًا مع حجم الإنجاز الحقيقي، في حين يرفض جهاز صدام الإعلان عن حجم المخصصات التي يتلقاها أو قنواتها المالية الرابطة بين مؤسساته.
وقد أثارت هذه الميزانيات الضخمة والموازية غضب حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والتي وجهت اتهامات صريحة ومباشرة لصندوق الإعمار بالمسؤولية الكاملة عن الإنفاق الموازي الذي تسبب في انهيار قيمة الدينار الليبي أمام النقد الأجنبي، حيث تبلغ القيمة الرسمية للدولار حوالي 6.43 دنانير. وأمام تفاقم الصراع المالي، تدخلت الولايات المتحدة عبر مبادرة قادها مسعد بولس لإبرام اتفاق في نوفمبر الماضي أسفر عن توحيد البند الثالث للميزانية وتحديد قيمته بعشرين مليار دينار مناصفة بين المعسكرين المتنافسين. وتصاعدت حدة الخلافات العائلية في أبريل الماضي، أثناء إشراف المصرف المركزي على إنجاز الملحق المالي الأول، حيث عارض بلقاسم حفتر بشدة المفاوضين المقربين من شقيقه صدام، قبل أن يتم احتواؤه ماليًا لضمان حصول صندوقه على حصة من المخصصات المحددة لبند التنمية بليبيا لإنهاء النزاع الداخلي القائم على تقاسم الكعكة الاقتصادية للبلاد.
وتأتي خطوة دخول الاستثمارات الأجنبية بقيادة نجيب ساويرس لتفتح باب التساؤلات المشروعة حول مدى قدرة الشركات المصرية والأجنبية على الصمود والعمل في ظل هذه الصراعات المالية المحتدمة والانقسامات الإدارية المعقدة بين الأخوين لتقاسم النفوذ الاقتصادي الواسع داخل الأراضي الليبية المنقسمة.







