د. أيمن نور يكتب: التحقيق والاتهام… حين تجتمع السلطات في يد واحدة مصر الممكنة 2030 (33). العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (4/2)

لم يكن أخطر ما أصاب منظومة العدالة المصرية خلال العقد الأخير هو كثرة القوانين، ولا اتساع سلطات الضبط، ولا حتى التوسع في الإجراءات الاستثنائية. الخطر الأكبر تمثل في اختلال التوازن داخل الدعوى الجنائية نفسها. فكلما تجمعت السلطات في يد واحدة، تراجعت الضمانات التي تحمي العدالة من الخطأ، وتحمي المواطن من التعسف.
لهذا السبب لم تنشأ الدولة الحديثة على فكرة السلطة المطلقة، بل على فكرة توزيع السلطات. وما ينطبق على الدولة ككل ينطبق على الدعوى الجنائية أيضًا. فكلما تعددت الجهات الرقابية والمراجعات المتبادلة، ازدادت فرص الوصول إلى الحقيقة. وكلما تقلصت هذه المسافات، أصبح الخطأ أكثر احتمالًا.
حين كنت أدرس القانون في سنوات الشباب الأولى، كانت فكرة الفصل بين التحقيق والاتهام واحدة من أكثر الأفكار إثارة للاهتمام. فكيف يمكن للجهة التي تبني اقتناعها منذ اللحظة الأولى بوجود جريمة ومتهم أن تظل هي نفسها الجهة المكلفة بالبحث المجرد عن الحقيقة؟ وكيف يمكن لمن أمضى شهورًا في جمع أدلة الاتهام أن يتحول فجأة إلى مراقب محايد لسلامة هذه الأدلة؟
لم تكن هذه التساؤلات نظرية خالصة. فقد شغلت فقهاء القانون في أوروبا والعالم العربي لعقود طويلة. ومن هنا نشأت مؤسسة قاضي التحقيق في عدد من الأنظمة القانونية، باعتبارها محاولة للفصل بين من يحقق ومن يتهم، وبين من يجمع الأدلة ومن يبني الدعوى.
مصر عرفت هذه المؤسسة لفترات مختلفة من تاريخها القانوني، لكنها تراجعت تدريجيًا حتى أصبحت أقرب إلى الاستثناء النادر منها إلى الأصل العام. وفي المقابل اتسعت سلطات النيابة العامة بصورة جعلتها في كثير من الأحيان تجمع بين أدوار متعددة داخل الملف الواحد.
ليست المشكلة هنا في الأشخاص، ولا في نزاهة أعضاء النيابة العامة، بل في طبيعة البناء المؤسسي نفسه. فالأنظمة القانونية لا تُبنى على حسن النيات، وإنما على الضمانات. والقانون الجيد لا يفترض أن الجميع سيحسنون التصرف دائمًا، بل يضع الحواجز التي تمنع الخطأ حتى لو وقع.
لهذا ظل سؤال الفصل بين التحقيق والاتهام حاضرًا في معظم النقاشات الجادة حول إصلاح العدالة الجنائية. ليس لأن قاضي التحقيق يملك عصا سحرية، وإنما لأن توزيع السلطة يظل أكثر أمانًا من تركيزها.
التجربة الفرنسية تقدم مثالًا مهمًا في هذا السياق. فبرغم كل التعديلات التي شهدها النظام القضائي الفرنسي، ظل الجدل قائمًا حول حدود سلطات النيابة العامة وحول العلاقة بين الادعاء والتحقيق. والسبب بسيط: كلما اقتربت السلطة من الحرية أصبح من الضروري إحاطتها بمزيد من الضمانات.
أما في التجربة الإيطالية، فقد لعب الادعاء العام المستقل دورًا محوريًا في مواجهة الفساد والجريمة المنظمة، لكن ذلك ارتبط بمنظومة واسعة من الرقابة والتوازنات والإجراءات التي تمنع الانفراد المطلق بالقرار.
في مصر، لا يمكن مناقشة هذا الملف بعيدًا عن الحبس الاحتياطي. فالحبس الاحتياطي ليس مجرد إجراء قانوني عابر، بل أصبح في نظر قطاعات واسعة من المصريين العنوان الأكثر حضورًا عند الحديث عن النيابة العامة.
الأصل في الحبس الاحتياطي أنه إجراء استثنائي. والاستثناء بطبيعته لا يتحول إلى قاعدة. لكن السنوات الأخيرة شهدت اتساعًا ملحوظًا في استخدام هذا الإجراء، حتى أصبح في بعض الملفات جزءًا أساسيًا من مسار القضية لا استثناءً محدودًا فيها.
هنا تبرز معضلة جوهرية. فالمتهم الذي يُحبس احتياطيًا يفقد حريته قبل أن يصدر حكم بإدانته. والقانون يقبل ذلك في ظروف محددة ومقيدة ومبررة. لكن كل توسع خارج هذه الضرورة يضع العدالة أمام سؤال أخلاقي وقانوني صعب.
لا أستطيع أن أتناول هذه القضية من موقع الباحث البعيد. فقد عشتها بصورة مباشرة، ورأيت كيف يمكن للحبس الاحتياطي أن يتحول من إجراء إلى عالم كامل من التفاصيل الإنسانية والقانونية والسياسية.
وخلال سنوات السجن والاحتجاز أدركت أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس فقط فقدان الحرية، بل شعوره بأن الإجراءات نفسها أصبحت هدفًا قائمًا بذاته. فالمتهم لا يواجه في هذه الحالة حكمًا قضائيًا، وإنما يواجه زمنًا مفتوحًا لا يعرف متى ينتهي.
في إحدى الوقائع التي لم أتحدث عنها من قبل بهذا التفصيل، وبعد منع زيارة استثنائية لي في يوليو 2007، تجمع عدد من الزائرين خارج أسوار السجن ورددوا هتافات سياسية متنوعة. وفي مساء اليوم نفسه أبلغتني إدارة السجن أن رئيس نيابة حضر للتحقيق معي داخل السجن.
جرى التحقيق في غرفة طبيب السجن المجاورة لزنزانتي. بدأ المحقق بالسؤال عن إحدى العبارات المنسوبة إلى الزائرين والمتعلقة بالرئيس الأسبق حسني مبارك. أجبت بأن الرجل كان قد خاض انتخابات رئاسية، وأن من حق الناس في ذلك الوقت أن يطالبوا بفوزه أو بخسارته، وأن التعبير عن الرأي لا يشكل جريمة في ذاته.
توقفت الجلسة فجأة.
لم يكن السبب اعتراضًا قانونيًا أو ظهور دليل جديد. كان السبب مكالمة هاتفية.
أجرى المحقق اتصالًا بالمحامي العام، ثم أبلغ بانتظار رأي النائب العام. وبعد فترة انتظار طويلة عاد التحقيق، لكن السؤال اختفى، والإجابة اختفت معه، وكأن شيئًا لم يكن.
تكرر المشهد مرة ثانية مع سؤال آخر يتعلق بعبارة قيل إنها رُددت ضد وزير الداخلية آنذاك. قدمت إجابتي القانونية والسياسية، فتوقف التحقيق مرة أخرى، وجاءت مكالمة أخرى، واختفى السؤال والإجابة مرة أخرى.
لا أستعيد هذه الواقعة اليوم من باب النوستالجيا أو تصفية الحسابات. ما بقي في ذهني منها ليس تفاصيل الاتهام، بل ذلك المشهد الكاشف: محقق يجلس أمام متهم، لكنه لا يملك المضي في التحقيق إلا بعد الرجوع إلى مستويات أعلى في كل خطوة مؤثرة.
هنا بدأ يتشكل في ذهني سؤال لم يغادرني حتى اليوم: أين تنتهي سلطة عضو النيابة؟ وأين تبدأ سلطة المؤسسة؟ وأين تقف استقلالية المحقق حين يصبح الهاتف شريكًا دائمًا في إدارة التحقيق؟
لا أتحدث عن شخص بعينه. بل عن فلسفة كاملة تستحق المراجعة. فالتحقيق الجنائي يفترض أن يكون فعلًا قانونيًا مستقلًا، لا سلسلة متصلة من الإشارات والتعليمات والتوقعات المسبقة.
ما زلت أذكر أنني التقيت ذلك المحقق بعد سنوات طويلة داخل نيابة جنوب القاهرة أثناء حضور تحقيق مع مجموعة من شباب حركة 6 أبريل. وحين وقعت عيناي عليه رأيته يضع هاتفه المحمول سريعًا داخل جيبه، فضحكت بيني وبين نفسي وأنا أتذكر تلك الليلة القديمة داخل السجن.
لم تكن الواقعة بالنسبة لي نكتة قانونية. كانت رمزًا لمشكلة أعمق. فالهاتف لم يكن بطل القصة، بل غياب المسافة الكافية بين القرار القانوني وبين المؤثرات المحيطة به.
من أخطر التحولات التي أصابت النيابة العامة خلال العقد الأخير أيضًا تراجع دورها الرقابي على أماكن الاحتجاز والسجون. فالقانون لم يمنح النيابة العامة سلطة التفتيش والرقابة على أماكن الاحتجاز باعتبارها امتيازًا إداريًا، بل باعتبارها إحدى أهم ضمانات الحرية الشخصية.
النيابة العامة ليست فقط الجهة التي تأمر بالحبس، بل هي أيضًا الجهة التي يفترض أن تراقب مشروعية هذا الحبس وظروفه واستمراره. وهي الجهة التي يفترض أن تتحرك تلقائيًا إذا وصلتها شبهة تعذيب أو سوء معاملة أو انتهاك للحقوق الأساسية للمحتجزين.
في الدول التي تتمتع بأنظمة عدالة قوية، يُنظر إلى زيارة النيابة للسجون باعتبارها وظيفة دستورية لا إدارية. أما حين تتحول هذه الرقابة إلى إجراء روتيني أو شكلي، فإن واحدة من أهم الضمانات القانونية تصبح مهددة بالتآكل.
كما أن علاقة النيابة العامة بمحاضر التحريات تستحق وقفة طويلة. فالتحريات بطبيعتها أداة استدلال لا أداة إدانة. وهي بداية للبحث لا نهاية له. وحين تتحول التحريات عمليًا إلى بديل عن الأدلة، أو إلى أساس كافٍ لاتخاذ قرارات مصيرية، يصبح الخلل أقرب من أن يُخفى.
العدالة لا تُبنى على الثقة المطلقة في أي طرف. لا في المتهم، ولا في الشاهد، ولا في جهة الضبط، ولا في المحقق. العدالة تُبنى على الاختبار المستمر لكل رواية، وعلى افتراض أن الحقيقة لا تظهر إلا بعد فحص وتدقيق ومواجهة.
لهذا فإن النيابة العامة في صورتها المثلى ليست حليفًا للشرطة، ولا خصمًا للمتهم، ولا تابعًا للسلطة التنفيذية، بل سلطة قانونية مستقلة تقف على مسافة واحدة من الجميع.
كلما اقتربت من جهة على حساب أخرى، فقدت جزءًا من دورها.
وكلما تخلت عن الشك المهني لصالح اليقين السهل، ابتعدت خطوة عن العدالة.
لهذا لا يتعلق إصلاح النيابة العامة بإصدار تعميم أو تعديل مادة قانونية فقط. بل يتعلق بإعادة تعريف دورها كله. هل هي جهاز اتهام؟ أم سلطة عدالة؟ هل مهمتها إدارة الملفات؟ أم حماية الشرعية؟ هل تنتمي إلى منطق الدولة أم إلى منطق القانون؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد شكل العدالة المصرية في السنوات المقبلة.
ولذلك فإن أي مشروع جاد لإصلاح مرفق العدالة لا يمكن أن يتجاوز ملف النيابة العامة، ولا يمكن أن يكتفي بمناقشة الأشخاص أو الوقائع. المطلوب مراجعة فلسفة كاملة، ومسار كامل، وتجربة كاملة امتدت سنوات طويلة.
فالنيابة التي كانت يومًا أحد أهم حصون الشرعية القانونية تستحق أن تستعيد مكانتها. لكن الطريق إلى ذلك يبدأ أولًا بالاعتراف بحجم الأزمة، وبأن المؤسسة التي كانت جزءًا من الحل في مراحل كثيرة من تاريخ مصر أصبحت، بدرجات متفاوتة، طرفًا في الأزمة التي نبحث لها عن مخرج.
الحلقة التالية: مصر الممكنة 2030 (33) العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟
(4/3)
كيف نستعيد النيابة العامة حارسًا للشرعية؟







