
تابعت باهتمام ما طرحه الدكتور أيمن نور في مقاله الأخير حول إشكالية “التحقيق والاتهام واختلال التوازن في الدعوى الجنائية”. وبصفتي ممارسة قانونية أتنفس هواء المحاكم يوميا أجد أن هذا الطرح يفتح الباب على مصراعيه لمواجهة حتمية بين “الفلسفة النظرية للقانون” وبين “الواقع الإجرائي المعقد” الذي نعيشه على الأرض.
إن العدالة الجنائية ليست مجرد نصوص تسطر في كتب الفقه، بل هي “عقيدة إجرائية” تمارس داخل غرف التحقيق وساحات القضاء. ومن هذا المنطلق لا يمكننا قراءة المشهد الحالي بمعزل عن أربعة محاور جوهرية:
أولا: أزمة الحبس الاحتياطي.. من التدبير إلى العقوبة
أتفق تماما مع المقال في أن الحبس الاحتياطي شهد في السنوات الأخيرة انحرافا عن علته التشريعية. الأصل الدستوري والقانوني الثابت هو أن “الحرية هي الأصل والتحقيق مع المتهم طليقا هو القاعدة والحبس هو الاستثناء الاحترازي” (لمنع الهرب أو العبث بالأدلة).
أما عندما يتحول الاستثناء إلى أداة مستقرة يفقد الإجراء قيمته الأخلاقية والقانونية ويتحول عمليا إلى عقوبة مسبقة تخل بمبدأ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”.
هذا جرح في جسد العدالة تلمسه كل يد ممارسة، وننتظر من تعديلات قانون الإجراءات الجنائية الجديدة (حتى عام 2026) أن تضع له حدا حاسما عبر تقليص المدد وتفعيل التدابير البديلة.
ثانيا: “هيمنة التحريات” واهتزاز الشك المهني
قانونا استقرت محكمة النقض المصرية في مبادئها العريقة على أن “التحريات لا تصلح وحدها دليلا أساسيا للإدانة بل هي مجرد قرينة تعزز الأدلة” لكن على أرض الواقع نرى أحيانا اتكاء شبه كامل من قبل جهات التحقيق على “محاضر التحريات المكتبية” مما يؤدي إلى غياب “الشك المهني” المفترض في المحقق وينقل عبء إثبات البراءة بالكامل على عاتق المتهم ومحاميه وهو ما يمثل خللا فادحا في ميزان التكافؤ داخل الدعوى.
ثالثا: قاضي التحقيق.. بين المطلب الدستوري ومأزق الهيمنة الإجرائية
يطرح الدكتور أيمن نور فكرة “الفصل الحاسم بين سلطتي التحقيق والاتهام” عبر إحياء مؤسسة قاضي التحقيق كأصل عام على النمط الفرنسي. وهنا يجب أن نواجه الواقع؛ إن دمج السلطتين (التحقيق والاتهام) في يد النيابة العامة لم يعد مجرد “ضرورة عملية” لسرعة التقاضي كما يشاع بل تحول عمليا إلى سيف مصلت يخل بضمانات المحاكمة العادلة.
وعلى الرغم من أن البعض يتحجج بضخامة حجم الجرائم اليومية وكارثية الواقع العملي لمنع تطبيق هذا النظام، إلا أن استمرار الوضع الحالي هو الذي يكرس الأزمة فالمواطن والمحامي يجدان أنفسهما أمام خصم وحكم في آن واحد، وهو ما يفسر كيف تصاغ الكثير من التحقيقات بروح “الاتهام المسبق” وتصفية الحسابات بدلا من البحث
التجرد عن الحقيقة.
رابعا: تسييس التحقيقات ومعضلة “الهاتف” والهوى
فيما يتعلق برصد المقال لظاهرة “الهاتف” أو توجيهات المستويات الأعلى
لا يمكننا هنا إخفاء رؤوسنا في الرمال أو الادعاء بأنها مجرد “انحرافات فردية” أو تبعية تنظيمية بريئة تهدف لتوحيد السياسة الجنائية. إن اختراق الاستقلال الموضوعي للمحقق، وتحول جهات التحقيق في العديد من المحطات والقضايا من حارس للشرعية إلى أداة لإنفاذ سياسات وتوجيهات أمنية وسياسية، هو العوار الأكبر الذي يئن منه المحامون ويعاني منه المواطن المصري.
المواطن لم يعد غافلا وكل ممارس على أرض الواقع يرى ويسمع عن تحقيقات تُدار بالهوى وأحكام صبغت بصبغة التسييس حيث تصبح التعليمات فوق النصوص. هذا التوظيف السياسي والتحيز الإجرائي جرد المنظومة من قيمتها الأخلاقية والقانونية في عين المجتمع وتحول معها بعض المحققين من قضاة مفترضين إلى مجرد منفذين لسيناريوهات معدة سلفا خلف الأبواب المغلقة.
ختاما: العدالة التي نريد.. لا تجميل للواقع
إن إصلاح منظومة العدالة في مصر لا يمكن أن يبدأ من الصمت خوفاً من المواجهة أو تجميل ممارسات مشوهة بدعوى حماية المؤسسات. الاعتراف الشجاع بالفجوة السحيقة بين النص وبين “الممارسة الموجهة على الأرض” هو الخطوة الأولى.
نحن بحاجة إلى اقتلاع هذه العقيدة الإجرائية الفاسدة التي تبيح انتهاك الحقوق بالهوى، وإلى ثورة حقيقية تعيد لجهة التحقيق حيدتها واستقلالها الفعلي لا الصوري، ليكون المواطن آمناً في وطنه، وليسترد المحامي كرامته وأدواته الدستورية في الدفاع. فالقوانين المثالية لا قيمة لها على الورق، ما لم يحمِنا رجال ونساء على المنصة يمتلكون شجاعة الوقوف في وجه الإملاءات، وينتصرون للحق وحده.







