ليبيامقالات وآراء

نزار كريش يكتب: بعثة ليبيا وبعثة كمبوديا

في أحد مطاعم إسطنبول، التقيتُ بالبروفيسور سوريا زوبيدي من نيبال. وكنت قد استمعتُ من قبل إلى تجربته عندما كان مبعوثًا للأمم المتحدة في كمبوديا، لكن حديثه اكتسب في ضوء التطورات الأخيرة في الأزمة الليبية بُعدًا مختلفًا؛ إذ بدت أوجه الشبه بين بعثتي ليبيا وكمبوديا أكثر وضوحًا. ومن خلال هذه المقارنة، تبدو معضلة البعثة أقرب إلى الواقع منها إلى المبالغة أو إلى مجرد محاولة من بعض الأطراف الليبية لإلقاء اللوم على البعثة هربًا من مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع بعد ثورة علّق عليها كثيرون آمالًا كبيرة. ومع ذلك، فإن أوجه الشبه هذه لا تُعفي الليبيين من المسؤولية، بل تكشف أيضًا كيف يمكن للسلطة أن تتعامل مع البعثات الدولية، وأن تحاول إحباط أصحاب النيات الحسنة ومنعهم من تحقيق أهدافهم. وصحيح أن البلدين يختلفان من حيث الجغرافيا والوضع الاقتصادي؛ فكمبوديا دولة شديدة الفقر تعتمد على تصدير الأقمشة والملابس، بينما ليبيا دولة نفطية تمتلك احتياطيات طاقة هائلة، كان من الممكن أن تساعدها على تجاوز الانقسامات التي تعاني منها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.

البعثة في كمبوديا 

:

هيمن حزب الشعب الكمبودي بقيادة هون سين على الحياة السياسية في كمبوديا منذ التسعينيات، في أعقاب حرب أهلية دامية أودت بحياة نحو مليوني شخص. لكن الأزمة لم تنتهِ؛ فقبيل انتخابات 2013، توحدت قوى معارضة رئيسية تحت مظلة حزب الإنقاذ الوطني الكمبودي بقيادة سام رينسي وكيم سوخا، ما رفع حدة المنافسة وأدخل البلاد في مواجهة انتخابية محتدمة.

وشابت انتخابات 2013 اتهامات واسعة بالتزوير وخلل في السجل الانتخابي، إلى جانب اتهام لجنة الانتخابات بالانحياز للسلطة. وأسفرت النتائج الرسمية عن تقدم حزب الشعب الكمبودي بفارق محدود، لكن المعارضة رفضت الاعتراف بها، فانطلقت احتجاجات واسعة في العاصمة بنوم بنه. وفي خضم هذه الأزمة، أوكلت البعثة الملف إلى البروفيسور زبيدي، أستاذ القانون الدولي المعروف بخبرته الطويلة. وبعد مراجعة المنظومة الانتخابية، خلص إلى أنها تعاني فسادًا واختلالات جوهرية، فبادر إلى إعداد مشروع قانون انتخابي جديد، كتبه بنفسه .

لكن ما إن بدأ العمل على القانون الجديد حتى تصاعدت حملات التشكيك، واستحضرت السلطات خطاب السيادة الوطنية لعرقلة مبادرة البعثة. كما تعرض زبيدي لحملة تحريض واعتداءات مباشرة، حيث أوعزت السلطة لشباب يتسكعون بدرجاتهم وهم بالمئات ليرموا على المبعوث زجاجات الفودكا كما وصف،  غير أنه تمسك بموقفه وقال لزوجه إنهم يسخرون من القلم! وسعى إلى إقناع الأطراف الدولية بضرورة إصلاح القوانين الانتخابية وتطبيقها. ومع تصاعد التوتر والاحتجاجات، برز دعم دولي، بينها توصية أميركية بتبني تصور البعثة للإصلاح، بما يشمل إعادة النظر في تركيبة مفوضية الانتخابات. ورغم تمسك السلطة بمواقفها في البداية، فإن الضغوط السياسية والاقتصادية، وخروج الناس في انتخابات عارمة  دفعتها لاحقًا إلى التواصل مع المبعوث وطلب منه التصديق على القانون مقابل وقف المقاطعة وانهاء الاحتجاجات ، ليصبح ذلك التحول محطة فارقة في تاريخ كمبوديا السياسي.

البعثة في ليبيا 

منذ عام 2015، تعيش ليبيا، رغم كونها دولة نفطية، انقسامًا سياسيًا حادًا. وتعاقبت عليها بعثات دولية عديدة كررت الطرح ذاته: مجلس رئاسي وسلطة تنفيذية مؤقتة تتولى تهيئة البلاد للانتخابات خلال مدة محددة، على أن يتكفل البرلمان بإعداد قانونها. لكن هذه الاتفاقات لم تؤدِّ إلا إلى تعميق الانقسام وتوسيع شبكات الفساد، مع الانتقال من حكومة إلى أخرى من دون معالجة جوهر الأزمة. كلما جاءت بعثت تتبعت نهج سابقتها ، ثم تعود عند الفشل إلى الدعوة لحوار ليبي شامل. وفي الوقت الذي كان فيه نمط تقاسم السلطة بين مجلسين وحكومتين في الشرق والغرب يترسخ، اندلعت حرب طرابلس عام 2019. ورغم فشل حفتر في تحقيق هدفه، تواصت البعثة ثانية بما قامت به سابقاتها، عبر طرح جديد يقوم على مجلس رئاسي وحكومة وبرلمان ومجلس دولة يتولون التمهيد للانتخابات، مع ترك مسألة القوانين للسلطة التشريعية. ولم تُواجَه هذه السلطات بجدية، بحجة عدم فرض حلول على الليبيين، لكن النتيجة كانت غياب المبادرة وترك الأطراف القائمة تفسر الاتفاقات بما يخدم مصالحها، وتتمرد على القانون، وتدفع نحو نظام سياسي جديد يكرّس نفوذها.

ومع وصول المبعوثة الجديدة هانا تيتيه، طُرح مقترح لتشكيل حوار هيكلي يمثل المجتمع الليبي. وكان يمكن لهذا المسار أن يؤسس، كما فعل البروفيسور زبيدي في كمبوديا، لإطار قانوني يتجاوز القيود التي تفرضها السلطات القائمة. إلا أن المقترح عاد إلى المنهج نفسه، إذ أعاد كل شيء إلى البرلمان، سواء في منح الثقة أو التصديق على قانون الانتخابات، مع إضافة ضمانات لم تختلف كثيرًا عن تلك التي وردت في الاتفاقات السابقة. وهكذا استمر غياب روح المبادرة وضعفت القدرة على المواجهة، لتبقى ليبيا عالقة في حلقة مفرغة منذ عام 2014، فيما يتفاقم الانقسام وتتسع دوائر الجريمة والإرهاب وتهريب البشر.

إن حل الأزمة الليبية لا يحتاج إلى إجماع وطني بالمعنى التقليدي، بقدر ما يحتاج إلى من يفكر خارج الأطر القائمة، ويبادر إلى طرح قواعد وقوانين واضحة، ويملك القدرة على التأثير في المواقف الدولية بما يخدم مصلحة البلاد. وهذا ما غاب عن المشهد الليبي؛ فما أنجزه رجل واحد في كمبوديا عجزت عنه بعثات متعددة وسلطات أنفقت مليارات الدولارات في ليبيا، من دون أن تدفع البلاد خطوة حقيقية إلى الأمام.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى