الأمم المتحدة تطلق الإنذار الأحمر: 3 ملايين محاصر في الأبيض يواجهون الموت

حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من تدهور خطير للأوضاع الإنسانية والأمنية في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، مؤكداً أن هناك مؤشرات مقلقة للغاية تنذر بوقوع كارثة جديدة لحقوق الإنسان في السودان، تفوق في بشاعتها الأزمات السابقة، مما يستوجب تحركاً دولياً عاجلاً لإنقاذ ملايين الأرواح البريئة.
وجاءت تصريحات تورك الصادمة خلال جلسة طارئة عقدها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في مدينة جنيف السويسرية، لمناقشة التطورات المتسارعة والمأساوية للأوضاع في السودان، في ظل استمرار النزاع المسلح العنيف وتفاقم الأزمة الإنسانية المعقدة في عدد من الولايات، وفق ما ذكرته وكالة رويترز للأنباء، في يوم الجمعة الموافق 3 يوليو 2026. وعُقدت هذه الجلسة الاستثنائية بناءً على طلب رسمي عاجل قدمته المملكة المتحدة، وحظي بدعم سياسي كبير من دول ألمانيا وأيرلندا والنرويج وهولندا، لمناقشة التصعيد العسكري الخطير في مدينة الأبيض ومحيطها الاستراتيجي، وسط تقارير دولية موثقة تكشف عن حصار خانق ومتواصل تفرضه قوات الدعم السريع على المدينة منذ أسابيع طويلة بهدف السيطرة التامة عليها وإخضاع سكانها.
وأوضح المفوض الأممي السامي أن المعلومات الميدانية الواردة من داخل مدينة الأبيض واضحة تماماً ولا تشوبها أي شائبة أو لبس، وتؤكد حدوث تدهور متسارع ومريع في الأوضاع المعيشية للمدنيين العزل داخل هذه المدينة ذات الأهمية الجغرافية والعسكرية الفائقة، محذراً بكل حسم من اتساع نطاق الانتهاكات الجسيمة والجرائم الممنهجة إذا لم يتخذ المجتمع الدولي خطوات فورية وصارمة لحماية السكان المحليين. وأطلق تورك ما وصفه بـ الإنذار الأحمر بشأن الأوضاع المتردية في المدينة، في وقت تتصاعد فيه المخاوف الدولية والإقليمية من تكرار السيناريو الدموي الكارثي الذي شهدته مدينة الفاشر في إقليم دارفور في وقت سابق نتيجة الصمت والتقاعس الدولي.
ويعيش سكان مدينة الأبيض، منذ نحو 18 شهراً كاملة، ظروفاً قاسية أشبه بحصار عسكري مطبق، نتيجة استمرار المعارك الطاحنة والاشتباكات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في محيط المدينة، مما تسبب في تدمير مفاصل الحياة وتدهور الأوضاع الإنسانية بصورة متلاحقة وغير مسبوقة. وقد كثفت قوات الدعم السريع، خلال الأيام والأسابيع 3 الماضية، هجماتها العنيفة باستخدام الطائرات المسيرة الانتحارية على وسط الأبيض، مستهدفة بشكل مباشر البنية التحتية المدنية، مما ضاعف عذاب السكان المقيمين والنازحين الذين لجأوا إليها بحثاً عن الأمان المفقود الذي غاب عن ديارهم الأصلية.
ورصدت التقارير الدولية أن المدينة ومحيطها شهدا ما لا يقل عن 15 هجوماً عنيفاً بالطائرات المسيرة في الفترة الممتدة بين 6 و28 يونيو الماضي، وأسفرت تلك الهجمات الدموية عن مقتل نحو 45 مدنياً بريئاً وإصابة 41 آخرين بجروح بليغة وتشوهات جسدية خطيرة. وحذرت المنظمات الأممية والإنسانية من أن استمرار هذه الهجمات العشوائية يرفع من مخاطر وقوع انتهاكات واسعة النطاق واعتداءات وحشية بحق المدنيين، وفقاً لآخر المستندات الرسمية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة والجهات الحقوقية المستقلة.
وفي سياق متصل، وجهت الأمم المتحدة والسلطات المحلية اتهامات صريحة ومباشرة لقوات الدعم السريع بتعمد استهداف وتدمير البنية التحتية الحيوية والخدمية للمدينة، بما في ذلك محطات توليد الكهرباء، وشبكات المياه النقية، ومستودعات الوقود الاستراتيجية, بالإضافة إلى استهداف ناقلات المحروقات ومنعها من الدخول. وأدى استهداف المحطات التحويلية الرئيسية للكهرباء إلى دخول أجزاء واسعة من أحياء المدينة في ظلام دامس ومستمر منذ نحو 3 أسابيع، بينما تسبب تدمير محطات الوقود في بروز أزمة وقود خانقة وشلل تام، انعكس مباشرة على حركة النقل والمواصلات، وأدى إلى عرقلة تشغيل المستشفيات والمراكز الطبية الحيوية وتوقف الخدمات الأساسية المنقذة للحياة بشكل كامل وتفشي الأمراض والأوبئة.
ويواجه الآن نحو 3 ملايين شخص، من سكان الأبيض الأصليين والنازحين الفارين إليها، أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد والخطورة، في ظل تشابك وتداخل الأزمات الحادة للكهرباء والمياه والوقود والرعاية الصحية، فضلاً عن الارتفاع الجنوني وغير المحتمل في أسعار السلع الغذائية الأساسية وشحها الحاد في الأسواق المحلية. وحذرت المنظمات الإنسانية العاملة في الميدان من أن استمرار استهداف المنشآت المدنية سيقود حتماً إلى انهيار شامل ونهائي لكافة الخدمات الأساسية في المدينة، مهدداً بحياة ملايين المدنيين الذين يواجهون الموت الصامت جراء الجوع والمرض والعطش تحت حصار لا يرحم وبين مطرقة القصف وسندان نقص الدواء وعجز تام من قبل المستشفيات المتبقية عن تقديم الرعاية الإسعافية اللازمة لضحايا هذه المحرقة الحقوقية المعاصرة المستمرة في صمت. إن الوضع الإنساني يزداد تدهوراً مأساوياً كل ساعة مما يتطلب من مجلس الأمن التدخل السريع لوقف نزيف الدماء وحماية الأطفال والنساء والشيوخ المحاصرين هناك فوراً ودون تأخير.







