ذاكرة التاريخمصرملفات وتقارير

تفاصيل اغتيال وزير الأوقاف الأسبق الشيخ محمد حسين الذهبي بطلقة في عينه

تحمل ذاكرة التاريخ المصري فصولاً دموية صادمة تكشف القناع تماماً عن خسة وإجرام الجماعات المتطرفة التي طالما حاولت يائسة فرض أجندتها الظلامية المظلمة برصاص الغدر ونشر أفكار الدمار والدم في شتى ربوع الوطن الغالي. ومن بين هذه الفصول السوداء، تبرز جريمة اغتيال وزير الأوقاف المصري الأسبق، الشيخ الشهيد محمد حسين الذهبي، الذي طالته أيدي الغدر الآثمة واغتالته جماعة التكفير والهجرة الإرهابية بدم بارد. قتل الشيخ الجليل بطلقة نارية مباشرة استقرت في عينه اليسرى في 7 يوليو 1977، ليقدم روحه الطاهرة ثمناً لمواقفه الفكرية الشجاعة. لم تكن هذه الجريمة النكراء البشعة مجرد تصفية جسدية عادية لعالم أزهري وطني كبير، بل كانت في حقيقتها محاولة سافرة وجبانة لقمع فكر علمي أزهري مستنير وقف دائماً حائط صد قوي ومنيع أمام تمدد وانتشار أفكار الضلال والتكفير التدميرية التي حاولت بكل قوة تفكيك بنية تماسك المجتمع المصري الأصيل وتدمير أركانه الثابتة.

ولد الشيخ محمد حسين الذهبي في 19 أكتوبر 1918 في مدينة مطوبس بمحافظة كفر الشيخ، ونشأ وسط طبيعة ريفية مصرية أصيلة. تلقى تعليمه الأولي في مدينة مطوبس داخل كتاب القرية وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالأزهر الشريف ليواصل مسيرته التعليمية، ومنه إلى كلية الشريعة بجامعة الأزهر التي تخرج فيها عام 1939م وكان أول دفعته نظير نبوغه. واصل الشيخ تفوقه الأكاديمي حتى حصل على درجة الدكتوراه الرفيعة بدرجة أستاذ في علوم القرآن عام 1946م من كلية أصول الدين في جامعة الأزهر، وذلك عن رسالته العلمية الخالدة «التفسير والمفسرون»، والتي أصبحت بعد نشرها وتداولها أحد المراجع الرئيسة المعتمدة في علم التفسير بكافة المؤسسات الدينية.

بدأ الذهبي مسيرته الأكاديمية فعمل أستاذًا في كلية الشريعة جامعة الأزهر، وأعير عام 1968 إلى جامعة الكويت ليرسخ العلم هناك. وبعد عودته عام 1971 عين أستاذًا في كلية أصول الدين ثم عميدًا لها، ثم تولى منصب أمين عام مجمع البحوث الإسلامية. وفي 15 أبريل عام 1975 أصبح وزيرًا للأوقاف وشئون الأزهر واستمر في منصبه حتى نوفمبر عام 1976م. وتقديرًا لعطائه العلمي والوطني الجليل والمستمر، مُنح اسمه وسام الجمهورية الرفيع من الطبقة الأولى؛ حيث أصدر الرئيس الراحل محمد أنور السادات قراراً رئاسياً بمنحه هذا الوسام في سبتمبر عام 1977 بعد وفاته بشهرين متتاليين، كما منحه الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك وسام الجمهورية تكريماً خالصاً لعلماء الدين والأزهر الشريف بمناسبة المولد النبوي الشريف في شهر فبراير عام 1990.

جاء الشيخ الذهبي وزيرًا للأوقاف في فترة حرجة للغاية نمت فيها الجماعات الإرهابية وعلى رأسها جماعة التكفير والهجرة، وحمل الشيخ على عاتقه مواجهة هذه الأفكار الهدامة بالفكر والحجة. وتميز منهجه برفض تدخل الأمن وحده في معالجة ملفات الجماعات الإسلامية المتطرفة، مؤكداً أن هذه المهمة تقع على عاتق رجال الدعوة. وكان يرى أن الفكر المنحرف يجب أن يواجهه فكر مستنير، وأن الإسلام قوي بذاته ولا يمكن أبداً أن يهتز أو ينهزم أمام أي دعوات منحرفة. وشدد على أن رجال الدعوة قادرون على مواجهة هذه الضلالات؛ لأن الدين يرسخ لقاعدة أنه ليس من حق أحد تكفير مسلم شهد بأنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومن قالها فقد تكفل بالحد الأدنى من الإسلام ولا يجوز تكفيره. كما أكد بحسم أنه لا يجوز لأفراد أن ينصبوا أنفسهم قضاة ويأخذوا سلطة الحكم على المجتمع ويصدروا وينفذوا أحكاماً دموية.

وفي إطار معركته الفكرية، طالب كبار العلماء أعضاء المكتب الفني لنشر الدعوة الإسلامية بوزارة الأوقاف بصياغة كتيب يدين الأفكار المتطرفة، وكتب له المقدمة وحرره كاملاً، وصدر الكتاب تحت عنوان «قبسات من هدي الإسلام» ونُشر عام 1975م محطماً مبادئ جماعة التكفير والهجرة ومبيناً بعدها عن جوهر الإسلام السميح العفيف. وقال الذهبي في مقدمته الكاشفة: «يبدو أن فريقاً من المتطرفين الذين يسعون في الأرض فساداً، ولا يريدون لمصر استقراراً، قد استغلوا في هذا الشباب حماس الدين، فآتوهم من هذا الجانب، وصوروا لهم المجتمع الذي يعيشون فيه بأنه مجتمع كافر، تجب مقاومته ولا تجوز معايشته، فلجأ منهم من لجأ إلى الثورة والعنف، واعتزل منهم من اعتزل جماعة المسلمين». لقد جسدت هذه الكلمات الشجاعة والمواقف الوطنية عمق المواجهة الشرسة بين الفكر الأزهري المستنير الخالص وبين قوى الإرهاب الأسود الظلامي الذي كشف أمام الرأي العام عن كامل بشاعته ودمويته باستهداف رمز ديني وعلمي رفيع المقام، لتظل دماء الشيخ شاهدة أبد الدهر على تضحيات العلماء في معركة الوعي وضد دعاة التكفير الأعمى والخراب الفكري والدموي المستمر.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى