
في المرة الأولى التي أخبرت فيها أصدقائي أنني سأزور ألبانيا، كانت ردود الفعل مختلطة بين الدهشة والاستغراب.
“ألبانيا؟!”، قال أحدهم بعلامات استفهام ترتسم على وجهه، “وماذا ستفعل هناك؟”.
ابتسمت حينها وأنا أدرك أنني على وشك اكتشاف واحدة من أكثر الوجهات الأوروبية سحراً وغموضاً.
بعد رحلة استغرقت أياماً بين جبال الألب الألبانية وشواطئ الريفييرا الجنوبية، عدت بقناعة راسخة: ألبانيا هي الجوهرة المخفية التي يبحث عنها المسافر الحقيقي.
لقاءات على الطريق.. “أنت مصري؟!”
من أكثر اللحظات التي توقفت عندها خلال رحلتي، تلك النظرات الممزوجة بالإعجاب والاحترام عندما يعرف محدثي أنني مصري.
في مقهى صغير بمدينة بيرات، المدينة ذات الألف نافذة، اقترب مني صاحب المقهى وسألني عن جنسيتي.
عندما أجبته “مصري”، اتسعت عيناه وابتسم قائلاً: “مصر! أم الدنيا! الأهرامات!شرم الشيخ والغردقة واسوان وحضاره الالاف السنين ، ثم أصرّ على تقديم القهوة كهدية ترحيب.
تكرر هذا المشهد مراراً في شكودرا، حين استوقفني عجوز ألباني ليحكي لي عن إعجابه بتاريخ مصر الفرعونية، وفي ساراندا حيث بادرتني مجموعة من الشباب بالحديث عن مسلسلات رمضان التي يتابعونها مدبلجة والنجم عادل امام واغاني عمرو دياب التي كنت اسمعها في كثير من المقاهي ، وفي تيرانا حيث أخبرتني مرشدة سياحية أن المصريين من أطيب الشعوب التي التقتها.
شعرت بالفخر وأنا أرى كيف أن كونك مصرياً في ألبانيا يفتح لك القلوب قبل الأبواب.
إنها نظرة لا تقدّر بثمن، نظرة تحمل في طياتها احتراماً لحضارة عمرها آلاف السنين، ووداً صادقاً لشعب يرانا امتداداً ثقافياً وحضارياً في عالم مضطرب.
طبيعة خلابة.. من الجبال إلى البحر
ما يجهله كثيرون أن ألبانيا تمتلك مقومات طبيعية تنافس أشهر الوجهات الأوروبية، ولكن بأسعار معقولة وبدون زحام سياحي.
في الشمال، ترتفع جبال الألب الألبانية بشموخ، مخترقة السماء بقممها المكللة بالثلوج حتى أواخر الربيع.
هناك، في بلدة ثيث الصغيرة، شعرت وكأنني في لوحة فنية من بيوت حجرية تقليدية، وأنهار جليدية صافية، وممرات جبلية تأخذ الأنفاس.
لم أصدق أن هذا المشهد موجود في دولة لا يتجاوز سعر الوجبة فيها خمسة يورو!
ثم كان الانتقال إلى الجنوب، حيث الريفييرا الألبانية الممتدة على البحر الأيوني.
في كساميل، وقفت على شاطئ بمياه فيروزية صافية تشبه جزر المالديف، محاطاً بجزر صغيرة يمكن الوصول إليها سباحة.
تساءلت كيف لهذا المكان ألا يكون مقصداً سياحياً عالمياً؟
تاريخ عريق يروي حكاياه
في بوترينت، المدينة الأثرية المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، تجولت بين آثار إغريقية ورومانية وبيزنطية وعثمانية، كل منها يحكي حقبة من تاريخ هذه الأرض التي كانت ملتقى حضارات.
أما في بيرات وجيروكاستر، المدينتين العثمانيتين المحفوظتين بشكل مذهل، فشعرت للحظة أنني في حارة مصرية قديمة البيوت الحجرية المتلاصقة، والأزقة الضيقة، والمساجد التاريخية، والبازارات الشعبية.
هنا أدركت عمق الروابط الثقافية التي تجمع عالمنا العربي بمنطقة البلقان.
في ألبانيا، الضيافة ليست مجرد كلمة، بل أسلوب حياة.
عندما ضللت الطريق في إحدى القرى الجبلية، استضافتني عائلة ألبانية في منزلها، وقدموا لي الطعام والشراب، ورفضوا أي مقابل.
الجدة التي لا تتحدث الإنجليزية كانت تبتسم وتشير إليّ أن آكل المزيد.
هذا الكرم، الممزوج بالبساطة والصدق، ذكرني بقرى مصرية أصيلة.
شعرت أنني بين أهلي، رغم آلاف الأميال التي تفصلني عن وطني.
آن الأوان لاكتشاف ألبانيا
أكتب هذه الكلمات وأنا ممتن لاكتشاف هذا البلد قبل أن يغزوه السياح ويغيروا من طابعه الأصيل.
ألبانيا ليست مجرد وجهة سياحية بديلة أو رخيصة، بل هي تجربة إنسانية وثقافية متكاملة.
وإذا كنتم تتساءلون عن أفضل وقت لزيارتها، فالإجابة الآن، قبل أن يكتشف العالم هذا الكنز المخفي.
وعندما تذهبون، احملوا جواز سفركم المصري بفخر، فستجدون في عيون الألبان ترحيباً لا يوصف، وستفهمون كما فهمت أن ثمة رابطاً خاصاً يجمعنا بهذا الشعب الطيب.
عدت من ألبانيا وأنا أكثر فخراً بكوني مصرياً، وأكثر يقيناً بأن العالم مليء بالجمال الذي ينتظر من يكتشفه، بعيداً عن صخب الوجهات السياحية التقليدية.
ألبانيا.. حيث الطبيعة البكر، والتاريخ العريق، والقلوب المفتوحة.. وحيث تكتشف أن كونك مصرياً هو جواز سفر إلى قلوب الناس.
اكتملت صورة هذا الود الاستثنائي في ليلة لم تكن عادية.
كنت في تيرانا حين التقت مصر وأستراليا في مباراة كأس العالم ، فقررت أن أعيش التجربة في احد المقاهي ذات الشاشه العملاقه علي شاطئ البحر .
ما حدث هناك فاق كل تصور.
جلست وسط مجموعة من المشجعين الألبان والاجانب الذين جاؤوا لمشاهدة المباراة بدافع حب كرة القدم.
في البداية، كانوا متفرجين محايدين، يصفقون للكرة الجميلة أياً كان مصدرها.
ولكن مع مرور الدقائق، ومع كل هجمة مصرية، تحول الحياد إلى انحياز.
بدأ أحدهم يسألني بحماس عن أسماء اللاعبين، وتعلم كيف يهتف “يلا يا مصر”، بينما ردد آخرون بحماسة منقطعة النظير هتافات تشجيع من إيقاعهم الخاص.
أما المشهد الأكثر تأثيراً فكان مجموعة من الأطفال الاجانب ، الذين رفعوا أصواتهم البريئة فجأة وهم يرددون “مصر! مصر!”، وكأنهم يشجعون فريقهم الوطني.
وحين سجل المنتخب المصري هدفه، انفجر الملعب بفرحة واحدة.
عانقني غرباء لا أعرفهم من الألبان والأجانب، وقفزنا معاً في تناغم نادر.
في تلك اللحظة، شعرت أن كل كلمات الإعجاب بتاريخ مصر وحضارتها التي سمعتها طوال الرحلة قد تجسدت في هذا الهتاف المدوي.
خرجت من المقهي تلك الليلة مرفوع الرأس، ليس فقط لفوز فريقنا، بل لأنني رأيت بأم عيني كيف يمكن للرياضة، كما للتاريخ، أن تجعل من “كونك مصرياً” سبباً كافياً لأن يحتضنك العالم.







