حدث في مثل هذا اليومذاكرة التاريخ

«زي النهاردة».. صلاح الدين الأيوبي يسحق الصليبيين ويقطع رأس أرباط في حطين 1187

تحل اليوم ذكرى واحدة من أمجد وأعظم المعارك الحاضرة في التاريخ الإسلامي والعربي، وهي موقعة حطين الخالدة التي دارت رحاها في 4 يوليو من سنة 1187 ميلادية. تلك الملحمة العسكرية الفريدة التي قادها السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي ضد الزحف الصليبي، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت تحولًا استراتيجيًا شاملًا أعاد رسم خريطة القوى في المنطقة برمتها. أسفر هذا الانتصار المؤزر عن تحرير مملكة بيت المقدس بالكامل واستعادة معظم الأراضي الشاسعة التي اغتصبها الصليبيون على مدار عقود، مما كرس أسطورة القائد العبقري صلاح الدين الأيوبي كرمز فذ للنصر والعدالة.

دارت هذه المعركة المصيرية في منطقة استراتيجية هامة تقع بين الناصرة وطبرية في قلب فلسطين، وتحديدًا بالقرب من قرية المجاودة. وضع السلطان صلاح الدين خطة محكمة أطبقت الخناق تمامًا على القوات الصليبية، حيث حاصر الأسطول البحري المصري المدن الصليبية الممتدة على طول الساحل ومنع وصول الإمدادات الحيوية القادمة من أوروبا. وجد الصليبيون أنفسهم في وضع غير مريح استراتيجيًا داخل طوق محكم ضربته القوات الأيوبية، مما حرمهم من المناورة وجعل مصيرهم المحتوم تحت رحمة سيوف وجنود المسلمين.

ويذكر المؤرخ الكبير جرجي زيدان في كتابه الشهير “تاريخ مصر الحديث” أن البداية الحقيقية لهذه الواقعة التاريخية بدأت في وسط نهار يوم الجمعة. وكان المسلمون دائمًا يفضلون لقاء أعدائهم يوم الجمعة بالتزامن مع وقت الصلاة، تبركًا بدعاء ملايين المسلمين والخطباء على المنابر في سائر أنحاء العالم الإسلامي في وقت واحد. فسار السلطان صلاح الدين بما اجتمع لديه من قوات على أتم نظام وعزيمة، وحط رحاله عند بحيرة طبرية على سطح الجبل، على أمل أن الصليبيين إذا بلغهم نزوله هناك يتقدمون إليه. وكان الصليبيون معسكرين في مرج صفورية بأرض عكا فلم يتحركوا من منزلتهم، فسار صلاح الدين في جريدة سريعة من جيشه إلى طبرية، واستلمها في غضون ساعة واحدة بعد معارك ضارية، إلا أن القلعة بقيت سالمة تماما بمن فيها.

فلما بلغ الصليبيين ما حصل في طبرية ساروا على الفور نحوها، فعلم السلطان بذلك وترك على حصار القلعة قوة كافية، وعاد مسرعًا لملاقاة الجيش الرئيسي. التقى الطرفان على سطح جبل طبرية الغربي في يوم الخميس الموافق 22 من شهر ربيع الآخر. وبعد حرب شديدة وطاحنة تفرقت جيوش الصليبيين، ولم يتبق منهم سوى فرقة واحدة تحصنت في تل يقال له تل حطين، وهي قرية هناك عندها قبر النبي شعيب. فضيق المسلمون عليهم الحصار وأشعلوا حولهم النيران في الأعشاب، فاشتد بهم العطش القاتل وحر الشمس حتى ألجأهم الأمر للقتال يأسًا، فأسرت مقدمتهم وقتل الباقون.

وكان في جملة المأسورين الملك جفري، وأخوه البرنس أرباط صاحب الكرك والشوبك وغيرهما من القواد. فجلس السلطان صلاح الدين في خيمته، وأمر بتحضير الأسرى الكبار بين يديه فأحضروا وفيهم الملك جفري وكان في غاية الظمأ، فأمر له بشربة من جلاب ثلج فشربها، ثم أعطى شقيقه البرنس أرباط فشرب. وقال السلطان للترجمان جملته الشهيرة: “قل للملك: أنت الذي سقيته، أما أنا فما سقيته”. إذ كان من جميل عادات العرب أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أمن على حياته. فقصد السلطان بهذا أن الملك جفري قد أمن، أما أخوه فلم يأمن، وكان في قلب صلاح الدين حقد شديد على البرنس أرباط بسبب تعديه السابق على جماعة من المسلمين وقتلهم غدرًا في حال سلمية لغير داع، فسبق من السلطان قسم أنه إذا ظفر به قتله.

وبعد أن شربا أرسلهما للمائدة فأكلا، ثم أُعيدا إلى السلطان فأخذ بيده سيفًا وتقدم إلى البرنس أرباط قائلًا: “ها أنا أنتصر لمحمد”، ثم عرض عليه الإسلام فأبى الأمير الصليبي، فضربه السلطان بالسيف فحل كتافه، وتمم الحاضرون قتله، ورُميت جثته على باب الخيمة. فلما رأى الملك جفري ذلك المشهد المرعب وقع الرعب في قلبه، فكلمه السلطان وطيب خاطره قائلًا: “لم تجر العادة أن يقتل الملوك الملوك، أما هذا فقد تجاوز الحد وتجرأ على الأنبياء”. وفي أثناء غمار هذه الحروب التاريخية الطويلة التقى صلاح الدين بالقائد الإنجليزي ريكاردس قلب الأسد الشجاع، وكان الانتصار حاسمًا ترتب عليه عودة القدس للمسلمين وإجبار الصليبيين على الصلح. وتجلت إنسانية صلاح الدين الأيوبي في تعامله مع الأسرى وعدم إهدار حقوقهم، خاصة حين سار بعد حطين إلى بيت المقدس لاستردادها، إذ أكرم كل من استسلم له من كبار الصليبيين ومنهم كونتيسة طرابلس التي عاملها بحفاوة وتشريف وأذن لها ولحاشيتها بالتوجه إلى طرابلس بأمان تام.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى