«زي النهارده» في 4 يوليو 1927: أسرار الرحلة الملكية الكبرى للملك فؤاد الأول إلى أوروبا وكواليس وداع رأس التين

تاريخ مصر الملكي مليء بالمحطات التي غيرت مسار السياسة والدبلوماسية، وفي مثل هذا اليوم، 4 يوليو 1927، شهدت الإسكندرية حدثاً استثنائياً جذب أنظار الصحافة المحلية والعالمية. لقد كان هذا اليوم مشهوداً في تاريخ المملكة المصرية، حيث غادر حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول، ملك مصر والسودان وسيد النوبة ودارفور وكردفان، أرض الوطن عبر ميناء الإسكندرية متجهاً في رحلة بحرية رسمية كبرى إلى قارة أوروبا، حملت في طياتها الكثير من الأبعاد السياسية والدبلوماسية العميقة التي عكست مكانة الدولة المصرية على الساحة الدولية في ذلك الوقت.
تبدأ القصة من قصر رأس التين العامر بالإسكندرية، ذلك القصر الشاهد على صياغة التاريخ المصري. في صباح يوم 4 يوليو 1927، تحول القصر ومحيطه إلى ثكنة بروتوكولية رفيعة المستوى، حيث احتشد رجال الدولة والأمراء والشخصيات السياسية البارزة لتوديع العاهل المصري. لم تكن الرحلة مجرد نزهة ملكية، بل كانت تحركاً دبلوماسياً رفيعاً صِيغَت كواليسه بدقة شديدة داخل أروقة الحكم، ووثقته عدسات التاريخ لتكشف عن حجم الوفد الرفيع الذي كان في صحبة جلالته وعن مدى ثقل هذه الزيارة الاستراتيجية.
شهدت لحظة المغادرة التاريخية حضوراً مكثفاً لصفوة رجال السياسة والحكم في مصر. تقدم مودعي ومرافقي الملك الأمير عمر طوسون باشا، الشهير بلقب أمير الإسكندرية، والذي كان يتمتع بنفوذ واسع وشعبية جارفة، إلى جانب الأمير سعيد طوسون. كما تواجد في قلب الحدث دولة محمد محمود باشا رئيس الحكومة آنذاك، والذي كان يدير دفة السياسة التنفيذية، يرافقه توفيق نسيم باشا رئيس الديوان الملكي، وهو الرجل الذي يملك مفاتيح القرارات الإدارية والسياسية داخل القصر.
ولم يقتصر الحضور على الجانب الإداري، بل شمل القادة العسكريين والدبلوماسيين؛ حيث حضر محمد صادق يحيى باشا كبير الياوران، وجعفر والي باشا وزير الأوقاف، وحافظ عفيفي باشا وزير الخارجية الذي كان ينسق ملفات هذه الرحلة الأوروبية، بالإضافة إلى علي ماهر باشا وزير المالية وعقل الحكومة الاقتصادي، وأحمد لطفي السيد باشا وزير المعارف، المفكر التنويري الكبير. هذا الحشد الاستثنائي يعكس بوضوح أن السفر الملكي في 4 يوليو 1927 كان يمثل تحركاً شاملاً للدولة المصرية بكامل ثقلها السياسي والفكري.
اللقطة التاريخية النادرة التي خلدت هذا الحدث التقطتها عدسة “رياض شحاتة”، المصور الرسمي والخاص لجلالة الملك، والذي استطاع بتكوينه الإبداعي توثيق تفاصيل خروج الموكب الملكي من قصر رأس التين متجهاً إلى الميناء. تظهر الصورة الملوك والأمراء والوزراء بملابسهم الرسمية الفخمة وطرابيشهم التقليدية، مما يبرح دلالات الهيبة والسلطة التي ميزت العهد الملكي المصري. إن القيمة التاريخية لهذه الصورة لا تكمن فقط في قيمتها الفنية، بل في كونها وثيقة سياسية تكشف كيف كانت تُدار التشريفات الملكية وكيف كان يُنظر إلى تحركات الملك خارج البلاد.
إن رحلة الملك فؤاد الأول إلى أوروبا في تموز أو بالأحرى في شهر يوليو من عام 1927، جاءت في وقت كانت مصر تسعى فيه لتثبيت أركان استقلالها وتأكيد سيادتها الكاملة على السودان والأقاليم التابعة لها مثل النوبة ودارفور وكردفان. وكان خروج الملك بهذا الموكب الحاشد يهدف إلى إيصال رسالة قوية للقوى الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا، بأن المملكة المصرية تمتلك مؤسسات دستورية وحكومة قوية قادرة على إدارة علاقاتها الدولية بشكل مستقل ومباشر.
تظل هذه الذكرى، التي نحتفل بها «زي النهارده» في 4 يوليو، صفحة مضيئة تكشف عن تفاصيل القوة والنفوذ الدبلوماسي لمصر في عشرينيات القرن الماضي. إن خروج الملك فؤاد الأول من قصر رأس التين لم يكن مجرد مغادرة عابرة، بل كان إعلاناً عن حضور مصري مكثف في الساحة الدولية، وثقته الصحافة وحفظته الذاكرة الوطنية كواحد من أهم الأحداث الملكية التي أظهرت تلاحم أركان الدولة وصناع القرار في لحظة تاريخية فارقة.







