من ذاكرة التاريخ.. محطات لا تنسى في مسيرة رجاء الجداوي أيقونة الشياكة والفن

تحل خلال الساعات القليلة المقبلة ذكرى رحيل الفنانة القديرة رجاء الجداوي، التي غادرت دنيانا في 5 يوليو عام 2020، بعد صراع مرير مع فيروس كورونا المستجد استمر لعدة أشهر داخل مستشفى العزل بمدينة الإسماعيلية. وكان رحيل هذه النجمة الكبيرة بمثابة صدمة مفجعة هزت أركان الوسط الفني في مصر والعالم العربي، وفجعت قلوب الملايين من محبيها الذين ارتبطوا بها وبفنها الراقي على مدار عقود طويلة، تاركة خلفها إرثاً فنياً غنياً تخطى حدود السينما والمسرح والتلفزيون ليخلد اسمها كواحدة من أبرز علامات الإبداع المصري الأصيل.
عاشت رجاء الجداوي طوال مسيرتها الفنية والمهنية ممثلة لرمز الأناقة وأيقونة الموضة العربية، حيث بدأت حياتها العملية كعارضة أزياء حصدت لقب ملكة جمال القطر المصري في خمسينيات القرن الماضي، وهو الأمر الذي فتح لها أبواب الشهرة والنجومية لتنتقل بسلاسة وثقة إلى عالم التمثيل الفسيح. وكانت أولى محطاتها الفنية الحقيقية والملهمة عندما رشحها المخرج الكبير هنري بركات للمشاركة في دور صغير، لكنه مؤثر، في الفيلم الكلاسيكي الخالد “دعاء الكروان” عام 1959 أمام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة والفنان القدير أحمد مظهر. ورغم أن مشاهدها كانت محدودة ومعدودة في هذا العمل الدرامي الضخم المأخوذ عن رواية الأديب طه حسين، إلا أن هذا الظهور كان يعبر عن محطة شديدة الأهمية في مشوارها، وبمثابة شهادة ميلادها الفنية الرسمية التي قدمتها للجمهور والنقاد على حد سواء كوجه واعد يمتلك حضوراً طاغياً وكاريزما استثنائية.
انطلقت بعدها القطارات الفنية للنجمة الراحلة لتتنقل بين المخرجين العظام، حيث قدمت مع المخرج العبقري فطين عبد الوهاب فيلم “إشاعة حب” عام 1960، والذي شاركت في بطولته مع السندريلا سعاد حسني والنجوم عمر الشريف ويوسف وهبي وعبد المنعم إبراهيم، وجسدت فيه دور الفتاة الأرسطوقراطية ببراعة شديدة أضفت نكهة كوميدية خاصة على العمل. وتوالت أعمالها السينمائية المميزة، وكان من بينها دورها الاستثنائي في فيلم “موعد على العشاء” عام 1981 للمخرج محمد خان، حيث وقفت بقوة أمام سعاد حسني وحسين فهمي وأحمد زكي، وصار هذا الدور تحديداً من الأدوار المميزة والمحطات الهامة التي كشفت عن قدراتها التمثيلية العميقة في تجسيد الشخصيات المركبة والثرية إنسانياً واجتماعياً.
طوال حياتها، قدمت رجاء الجداوي للسينما المصرية الكثير من الأعمال الخالدة، فهي ورغم أنها لم تكن بطلة مطلقة في معظم الأحيان بالشكل التقليدي، إلا أن وجودها في أي عمل فني كان يعطيه ثقلاً فنياً وازناً وقيمة إضافية لا يمكن إنكارها، وتكون هي بداخل هذا العمل مميزة ولها بصمة لا تخطئها عين في الأدوار التي تقدمها، سواء كانت أدواراً كوميدية ترسم البسمة على الوجوه، أو أدواراً تراجيدية غير كوميدية تلمس شغاف القلوب وتناقش قضايا مجتمعية جادة بكل وعي ونضج فني.
أما في الدراما التلفزيونية، فقد حفرت الراحلة اسمها بحروف من نور عبر مجموعة من المسلسلات التي أصبحت علامات مسجلة في تاريخ التلفزيون العربي. ومن أبرز تلك المحطات المهمة في مسيرتها بالتلفزيون مسلسل “هند والدكتور نعمان” عام 1984 مع الفنان الراحل كمال الشناوي، وقدمت من خلاله شخصية “شادية” التي أحبها الجمهور وتفاعل معها بشكل كبير. كما تألقت في مسلسل “الدوامة” عام 1973، ومسلسل “أحلام الفتى الطائر” عام 1978 رفقة الزعيم عادل إمام، وهو العمل الذي حقق نجاحاً ساحقاً وقت عرضه، بالإضافة إلى مسلسل “اللص الذي أحبه” عام 1997 مع شريف منير وشيرين سيف النصر، حيث شكلت فيه ثنائياً رائعاً قدم وجبة درامية وكوميدية ممتعة للمشاهدين. إن ذكرى رحيل رجاء الجداوي ستبقى دائماً مناسبة لتذكر الفن الجميل والزمن الراقي الذي كانت واحدة من أهم وأبهى جميلات صانعيه.







