مقالات وآراء

شفيق طاهر يكتب: إيران… لماذا مضيق هرمز ولماذا الآن؟

لا يمكن فهم محاولات إيران بفرض سيطرتها على مضيق هرمز إلا بوصفها محاولة لتعويض تآكل أدواتها التقليدية في المنطقة. فطهران التي بنت نفوذها طوال عقود على مبدأ الردع بالوكلاء، تجد نفسها اليوم أمام بيئة مختلفة، حماس والجهاد الإسلامي خرجتا من حرب غزة مثقلتين بالخسائر، وحزب الله تراجع دوره الردعي تحت ضغط الضربات الإسرائيلية والتحولات اللبنانية، والممر السوري الذي كان يربط إيران بلبنان عبر العراق وسوريا تعرض لضربة استراتيجية بعد سقوط نظام الأسد، والحوثيون لم يعودوا قادرين على تحويل البحر الأحمر إلى ورقة ضغط كافية. أما في العراق، فمسار ضبط سلاح الفصائل أو دمجها في الدولة بات أكثر حضوراً تحت اشراف حكومة علي الزيدي. لذلك، يصبح هرمز في العقل الإيراني بديلاً عن شبكة تتآكل، لا مجرد ممر بحري.

من الردع بالوكلاء إلى الردع بالمضيق

كانت قوة إيران في السابق تقوم على تعدد الجبهات، غزة تستنزف إسرائيل جنوباً، حزب الله يهددها شمالاً، سوريا تؤمن العمق اللوجستي، العراق يمنح طهران مساحة ضغط على الدول العربية والقوات الأميركية، واليمن يمنحها قدرة على الضغط على السعودية وممرات البحر الأحمر وباب المندب. لكن هذه الخريطة لم تعد تعمل بالفاعلية نفسها. فإضعاف حزب الله أحدث أثراً متسلسلاً داخل منظومة الوكلاء الإيرانيين، وفقدان سوريا كعمق استراتيجي ضرب الممر البري الذي كان يصل إيران بحزب الله والبحر المتوسط.

هنا يظهر هرمز كسلاح مختلف، لا يحتاج إلى ميليشيا في دولة أخرى، ولا إلى قرار من حليف متردد، ولا إلى بنية لوجستية طويلة. إنه نقطة اختناق جغرافية تقع على تماس مباشر مع إيران، وتستطيع طهران عبره تهديد الاقتصاد العالمي لا فقط أمن جيرانها الإقليميين.

هرمز كسلاح خنق خليجي

لكن أهمية هرمز بالنسبة إلى إيران لا تقف عند النفط وحده، بل تمتد إلى كونه أداة ضغط مباشرة سياسية واقتصادية على دول الخليج العربية. فالكويت وقطر والبحرين تبقى أكثر حساسية لأي اضطراب في المضيق، فيما تملك السعودية والإمارات بعض البدائل عبر خطوط أنابيب ومنافذ خارج هرمز، لكنها بدائل لا تكفي لإلغاء قيمة المضيق ولا لتحييد أثره الاستراتيجي كاملاً. لذلك، لا تنظر طهران إلى هرمز كممر بحري فقط، بل كخاصرة رخوة في الأمن الاقتصادي الخليجي. فالتلويح بإغلاقه أو تعطيله لا يعني تهديد سوق الطاقة العالمي فحسب، بل يعني أيضاً وضع العواصم الخليجية أمام معادلة قاسية، أي مواجهة واسعة مع إيران قد تجعل تجارتها وصادراتها وكلفة تأمين ناقلاتها تحت ضغط نقطة اختناق واحدة.

لماذا الآن؟

الآن، لأن إيران تشعر أن ميزان الردع لم يعد يعمل لمصلحتها. لم يعد بإمكانها الاعتماد على حزب الله كما في 2006، ولا على سوريا كما قبل 2024، ولا على الفصائل العراقية كما في مرحلة الفوضى المفتوحة، ولا حتى على الحوثيين من دون حسابات كلفة عالية. ولهذا تنتقل من تهديد الخصم عبر أطراف متعددة إلى تهديد الجميع عبر نقطة واحدة. التلويح بهرمز يعني أن إيران تقول للخليج والغرب وآسيا، إذا جرى خنقنا، فلن تبقى الطاقة العالمية، ولا اقتصادات الخليج، خارج المعركة.

لكن إيران تدرك أيضاً أن إغلاق المضيق بالكامل قد يكون سلاحاً انتحارياً. فهو يضرب صادراتها، ويستفز الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وهي الدول الأكثر اعتماداً على نفط الخليج. لذلك لا تحتاج طهران إلى الإغلاق الكامل كي تحقق غرضها؛ يكفيها خلق قلق مروري، ورفع كلفة التأمين، وإرباك حركة الناقلات، وفرض فكرة أن أمن الطاقة يمر عبر موافقتها. فالمطلوب إيرانياً ليس بالضرورة وقف الملاحة، بل جعل استمرارها مشروطاً بحساب كلفة التصعيد ضد طهران.

هرمز كتعويض عن الوكلاء

إذن، مضيق هرمز ليس مجرد ورقة بحرية، بل اعتراف غير معلن بأن نموذج الوكلاء الإيراني وصل إلى مرحلة إنهاك. عندما كانت الأذرع قوية، كان المضيق احتياطياً استراتيجياً. أما اليوم، ومع تراجع فعالية تلك الأذرع، يتحول الاحتياط إلى واجهة. إيران لا تريد بالضرورة حرباً بحرية شاملة، لكنها تريد استعادة قدرتها على التخويف. تريد أن تقول إن خسارة نفوذها في غزة ولبنان وسوريا والعراق لا تعني سقوط قدرتها على الإزعاج الاستراتيجي.

لذلك، فإن سؤال لماذا هرمز؟ جوابه، لأنه آخر ورقة ضغط مباشرة تملكها إيران على دول الخليج العربية والاقتصاد العالمي معاً. وسؤال لماذا الآن؟ جوابه، لأن طهران لم تعد واثقة بأن وكلاءها قادرون وحدهم على إنتاج الردع. إنها تحاول تحويل الجغرافيا إلى وكيل جديد، مضيق بدل ميليشيا، وناقلات بدل صواريخ، وخنق بحري محتمل بدل جبهة حدودية تقليدية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى