من ذاكرة التاريخ.. أسامة الباز ثعلب الدبلوماسية المصرية ومصمم معاهدة كامب ديفيد

تفتح صفحات الماضي أبوابها لتستعيد سيرة واحد من أبرز رجال السياسة في مصر. عندما نتحدث عن العقول الاستراتيجية، لا يمكن أن نغفل اسم الدكتور أسامة الباز، الذي يقترب موعد ذكرى ميلاده الـ95، حيث ولد في 6 يوليو 1931. هذا الرجل لم يكن مجرد موظف عادي في دهاليز وزارة الخارجية، بل كان ظاهرة فريدة وصانعًا حقيقيًا للسياسة الخارجية المصرية على مدار عقود طويلة. حمل الباز لواء المهام الصعبة، وكان دائمًا بمثابة صمام الأمان في إدارة الملفات الحساسة والمعقدة، وعلى رأسها الملف الفلسطيني الإسرائيلي.
مهندس العقول والمستشار السياسي الأمين
جسد الدكتور أسامة الباز العمق الاستراتيجي للدولة المصرية، وتحول إلى رمز راسخ للدبلوماسية التي لا تنحني أمام العواصف. وبفضل قدرته الفائقة على الابتكار في فنون التفاوض، صعد نجمه ليصبح المستشار السياسي الموثوق للرئيس الأسبق حسني مبارك. ترك الباز بصمة تاريخية لا يمكن محوها من وجدان الأمة العربية بأسرها. إن الحديث عن كواليسه يعيدنا مباشرة إلى دوره المحوري والأساسي في إعداد وصياغة اتفاقية كامب ديفيد الشهيرة عام 1978. في تلك الفترات العصيبة من الصراع، تحول الباز إلى المفاوض الرئيسي والمهندس الفني للروابط المشتركة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. عمل بلا توقف وبجهد خارق لضمان صياغة معاهدة سلام متوازنة، تحقق ذلك التوازن الصعب والمنشود بين حماية الأمن الوطني المصري واسترداد الأرض، وبين الحفاظ الكامل على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. هذا التفاني المطلق جعله مستودع أسرار وثقة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وصاحب تأثير ممتد وعميق على توجهات السياسة المصرية الخارجية لعدة عقود لاحقة.
مدرسة التواضع الزائد والدبلوماسية الرفيعة
وفي هذا السياق التاريخي، يرى المفكر الكبير الدكتور مصطفى الفقي أن الدكتور أسامة الباز يمثل ظاهرة فريدة واستثنائية في تاريخ الدبلوماسية المصرية برمتها. فقد تميز بقدرة فذة على الجمع بين الاستيعاب والفهم العميق للشأن الداخلي المصري العام، وبين الإدراك الواسع لأبعاد السياسة الخارجية على المستويين الإقليمي العربي والدولي. ورغم النفوذ الهائل والمكانة الرفيعة التي حظي بها داخل مؤسسة الرئاسة، إلا أن حياته الشخصية اتسمت بالبساطة الشديدة والتواضع الزائد الذي أسر قلوب كل من تعامل معه. لقد أسس الباز مدرسة دبلوماسية متميزة أثرت بشكل مباشر في صياغة فكر جيل كامل من السفراء والخارجية، تاركًا خلفه إرثًا غنيًا من الحكمة السياسية والمهنية الفائقة.
شهادات حية: “صنايعي السلام” في دهاليز واشنطن
من جانب آخر، يصف المفكر السياسي البارز، الدكتور عبد المنعم سعيد، الباز بأنه يعتبر واحدًا من أهم “فنيين وصنايعية السلام” في العصر الحديث. ويوضح الدكتور سعيد أن الباز كان محظوظًا للغاية بقربه الشديد من الرئيس أنور السادات عقب حرب أكتوبر عام 1973، مما أتاح له فرصة التأثر المباشر برؤية السادات الاستراتيجية الفريدة. هذا القرب توازى وتكامل مع صقل علمي رفيع المستوى عبر تلقيه تدريبات مكثفة ومتقدمة في جامعة هارفارد الأمريكية العريقة.
ويستطرد المفكر الكبير مؤكدًا أن الباز هو من صاغ اتفاقية كامب ديفيد من الناحية الفنية الدقيقة، موضحًا أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر كان يستمتع بشدة بالاستماع إلى الحلول اللفظية والفنية المبتكرة التي يطرحها الدكتور الباز، وطريقته الساحرة والذكية في التعامل الحاسم مع كافة القضايا السياسية الشائكة. وتابع سعيد حديثه مشيرًا إلى أن بعض المفكرين والإعلاميين يغفلون للأسف هذا الجانب الإبداعي والفني الهام في شخصية الباز. لقد كان الراحل ممن تحملوا المسؤولية الوطنية الجسيمة في الكثير من المواقف التاريخية الصعبة. وفي ذات الوقت، انتقد سعيد بوضوح عدم حصول الباز، وغيره من كبار المفكرين المخلصين في التاريخ الوطني، على جائزة الدولة التقديرية تكريمًا لعطائهم.
واختتم الدكتور عبد المنعم سعيد شهادته بتسليط الضوء على ملامح إنسانية دافئة، حيث قال إن الباز كان يعشق القرب من المواطنين العاديين، وكثيرًا ما كان يشاهده الناس يجلس في مطعم الأهرام الشهير برفقة الكاتب الصحفي الكبير صلاح منتصر. ونوه سعيد: “أنا قابلته أكثر من مرة في سفريات رسمية مختلفة خلال أداء الواجب الوطني في بعض الأمور الدبلوماسية، وكان بحق نجمًا كبيرًا ومرموقًا ومعروفًا للغاية في العاصمة الأمريكية واشنطن”.
إن هذه الشهادات الحية والتفاصيل الدقيقة ترسم لنا اليوم صورة متكاملة الأركان لشخصية وطنية فذة، نجحت في تحقيق التوازن الدقيق بين دهاء المفاوض المحترف وبساطة الإنسان المصري الأصيل. يظل اسم الدكتور أسامة الباز محفورًا بحروف من نور في سجلات الشرف، كأحد أبرز العقول الملهمة التي قادت سفينة الدبلوماسية المصرية بكفاءة واقتدار عبر أمواج التاريخ المتلاطمة، ليبقى نبراساً تسترشد به الأجيال الجديدة من صناع السياسة والقرار في مصر والعالم العربي على مر العصور والأزمان المتعاقبة لخدمة هذا الوطن.







