من ذاكرة التاريخ.. تفاصيل الإطاحة بالملك طلال بن عبدالله عن عرش الأردن

تزخر الذاكرة التاريخية العربية بالعديد من التحولات السياسية والدرامية الفاصلة التي غيرت مجرى الحكم في بلدان عدة، ومن بين أبرز هذه المحطات السياسية ما جرى في الأردن في منتصف القرن 20. نسلط الضوء اليوم من خلال هذا التقرير الشامل على مسيرة الملك طلال بن عبدالله، الملك 2 للمملكة الأردنية الهاشمية، والذي انتهت فترة حكمه القصيرة بنهاية دراماتيكية مثيرة للجدل، عقب إجباره من قبل البرلمان الأردني على التنحي عن العرش لصالح ابنه الملك الحسين بن طلال، وسط أجواء خيمت عليها التوترات والترتيبات السياسية المعقدة.
ولد الملك طلال بن عبدالله في 26 فبراير 1909 في مكة المكرمة، ونشأ في كنف والده الملك عبدالله بن الحسين وجده شريف مكة الحسين بن علي، مفجر الثورة العربية الكبرى. تأثر طلال بشدة بالروح العسكرية والنضالية لوالده وجده، وتلقى تعليمه العسكري في بريطانيا حيث درس بأكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية المرموقة وتخرج فيها عام 1929. عقب تخرجه، رافق جده الحسين بن علي في منفاه بقبرص، بعدما تصدى الجد للمشاريع الاستعمارية التي استهدفت تقسيم البلاد العربية، ثم التحق طلال بالجيش العربي الأردني وتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة مقدم عام 1934، ثم التحق بكتيبة المشاة 2 عام 1942.
تولى الملك طلال عرش الأردن في 20 يوليو 1951 في ظروف عصيبة ودامية، وذلك عقب اغتيال والده الملك عبدالله بن الحسين على عتبات المسجد الأقصى في القدس، وهي العملية التي نجا منها ابنه الأكبر الأمير الحسين بأعجوبة شديدة. تزوج الملك طلال من الملكة زين الشرف، ورزق منها بنجله الملك حسين، والأميرتين أسماء وبسمة، والأمراء الحسن ومحمد ومحسن.
على الرغم من قصر فترة حكمه التي امتدت من 20 يوليو 1951 وحتى 11 أغسطس 1952، إلا أن الملك طلال حقق إنجازات سياسية وتشريعية بارزة؛ حيث عمل على تلطيف العلاقات المحتقنة والمتوترة مع مصر، كما أقر الدستور الأردني الجديد الذي طور الحياة السياسية بشكل جذري. وكان يتطلع منذ اعتلاء العرش لترسيخ مبادئ الثورة العربية الكبرى من أجل وحدة العرب، فقام بإصلاحات دستورية جعلت الحكومة مسؤولة مباشرة أمام مجلس النواب، فأصبح البرلمان يملك سلطة منح الثقة أو حجبها عن أي حكومة بموجب أحكام المادة 54 من الدستور، وهو ما رفع مستوى الحياة البرلمانية. كما اعتبر هذا الدستور أول دستور ينص صراحة على ارتباط الأردن عضويا بالأمة العربية، وشهد عهده إلزامية ومجانية التعليم، وصدر قانون خط السكك الحديدية الذي اعتبر هذا الخط وقفا إسلاميا.
لكن هذه المسيرة الإصلاحية لم تدم طويلا؛ إذ انتهت ولايته بشكل مفاجئ عندما صوت البرلمان الأردني على إجباره على التنحي عن العرش في 11 أغسطس 1952، مستندا إلى أسباب صحية قيل إنها تمنعه من أداء مهامه الملكية. هذا الإجراء البرلماني أزاح الملك طلال عن المشهد تماما، ليخلفه ابنه الأكبر الملك الحسين بن طلال، والذي لم يتسلم مقاليد الحكم مباشرة نظرا لأنه لم يكن قد بلغ سن 18 عاما، مما استدعى تشكيل مجلس وصاية على العرش.
عقب الإطاحة به وتجريده من سلطاته تحت غطاء العجز الصحي، نُفي الملك طلال بعيدا عن وطنه وقضى بقية حياته معزولا في إسطنبول بتركيا حتى وافته المنية هناك في 7 يوليو 1972. أثارت تفاصيل تنحيته الكثير من التساؤلات، وخاصة بعدما نُشرت مذكراته الشخصية في مجلة روز اليوسف المصرية عام 1965، والتي كشفت عن جوانب خفية وصراعات في كواليس الحكم، قبل أن تُنشر تلك المذكرات كاملة في كتاب رسمي عام 1972 عقب وفاته، لتبقى قصة تنحيته واحدة من أكثر الملفات السياسية إثارة في التاريخ الأردني الحديث.







