مهرجان مراكش للفنون الشعبية: كيف تكسر النساء قيود النظرة الدونية في قلب قصر البديع؟

شهدت مدينة مراكش المغربية، أمس الخميس 2 يوليو 2026، انطلاق فعاليات الدورة 55 للمهرجان الوطني للفنون الشعبية، الذي يعد واحداً من أعرق المحافل الثقافية بالمملكة. المهرجان الذي تنظمه جمعية الأطلس الكبير بشراكة مع وزارة الثقافة والتواصل، يمتد حتى 6 يوليو 2026 تحت شعار “الفنون الشعبية.. كنوز الأمس واليوم”. ورغم الأجواء الاحتفالية التي تملأ فضاءات المدينة التاريخية مثل قصر البديع الأثري ومدرسة بن يوسف العتيقة، إلا أن المهرجان سلط الضوء هذا العام على واقع معقد وحساس يخص الحضور النسائي اللافت داخل الفرق الفلكلورية، وهو حضور يتأرجح بين قيادة قاطرة الحفاظ على التراث الأصيل ومواجهة أحكام اجتماعية قاسية.
حارسات التراث الشفهي في مواجهة الأحكام الاجتماعية
تشارك النساء بكثافة في عروض المهرجان الحالية، حيث يقدمن بلوحات فلكلورية أهازيج ورقصات جماعية تعبر عن التنوع الثقافي المغربي وروافده المتعددة باختلاف المناطق. وتظهر النساء بزيهن التقليدي وحليهن الأصيلة ليصدحن بأصواتهن الجبلية، مؤكدات على دورهن المحوري في صون الهوية الثقافية وإحياء التراث اللامادي ونقله بين الأجيال، بجانب تعزيز السياحة الثقافية والتمكين الاقتصادي للمرأة.
لكن خلف هذا البريق الفني، كشف الواقع عن حقيقة صادمة تعاني منها النساء المشاركات؛ إذ لا تزال النظرة الدونية للمجتمع تلاحق عمل المرأة في هذه الفرق الفلكلورية. وتفرض الأعراف الاجتماعية غير المعلنة قيوداً صارمة تمنع المرأة المتزوجة تماماً من الانضمام إلى الفرق الشعبية التي تضم رجالاً ونساءً معاً، مما يجعل المشاركة النسائية حكراً فقط على النساء الأرامل، المطلقات، أو العازبات، في تكريس واضح لتمييز اجتماعي يقيد حرية المرأة الإبداعية بحسب حالتها الاجتماعية.
زينة الداودية وفن “العيطة”.. احتفاء بـ “الشيخات” وتاريخهن
اختار منظمو المهرجان في هذه الدورة الاستثنائية تكريم الفنانة المغربية زينة الداودية، كرمز من رموز فن “العيطة” الراسخ في الثقافة الشعبية المغربية، والذي لا تستقيم الأفراح والحفلات بدونه. ويحظى هذا الفن باهتمام خاص كونه يعكس قضايا وطنية واجتماعية وعاطفية حارقة، برزت فيه تاريخياً العديد من النساء اللواتي يلقبن بـ “الشيخات”، وأشهرهن أيقونة العيطة الراحلة فاطنة بنت الحسين. هذا الاحتفاء يضع مواهب النساء في الواجهة ليؤكد أن الثقافة الشفهية والتنوع الموسيقي هما القلب النابض للحضارة، ولا يمكن اختزالهما في مجرد إرث جامد من الماضي.
زحف نسائي نحو الفنون الرجالية واكتساح الساحات
يمتد الحضور النسائي في المهرجان ليشمل مختلف الألوان التراثية العريقة؛ ففي فرق “أحيدوس” المنتشرة في مناطق الأطلس المتوسط، تقف النساء جنباً إلى جنب مع الرجال في صفوف متقابلة تؤدي رقصات جماعية متناغمة على إيقاع الدفوف، مما يجسد روح الانسجام في التراث الأمازيغي. وفي المقابل، تقدم فرق “أحواش” التي يشتهر بها جنوب المغرب، لاسيما منطقة سوس، عروضاً غنائية وراقصة بالزي التقليدي في الأعراس والمناسبات المختلفة تعكس الحيوية النسائية.
المفاجأة الأبرز في السنوات الأخيرة تمثلت في اقتحام النساء لفرقة “الدقة المراكشية”، وهو لون إيقاعي شهير كان في أصله فناً حكراً على الرجال فقط، حيث ظهرت فرق نسائية بالكامل تتقن هذا الأداء المعقد، مما ساهم في توسيع دائرة المشاركة النسائية وإثبات قدرتهن الفائقة على قيادة التراث. ليس مصادفة إذن أن تحتضن مدينة مراكش هذا الزخم، وهي التي تصنف منظمة اليونسكو ساحتها الشهيرة “ساحة جامع الفنا” كتراث شفهي للإنسانية، مما يعزز مكانة المدينة كعاصمة عالمية لصون التراث الشفهي اللامادي، ورغم كل القيود المجتمعية، تظل المرأة هي الحلقة الأقوى التي تحمي هذه الفنون من الاندثار وتمنح الشعوب استمراريتها وحضارتها.







