
ربما يكون من الطبيعي أن يهاجم خصوم القضية الفلسطينية تصريحات حسام حسن، بعد إهدائه فوز المنتخب المصري إلى الشعب الفلسطيني ورفعه العلم الفلسطيني عقب المباراة. فهذا موقف يتسق مع رؤيتهم ومواقفهم المعلنة، مهما اختلفنا معها أو رفضناها.
لكن اللافت حقًا، والمثير للتأمل، أن جانبًا معتبرًا من الهجوم لم يأتِ هذه المرة من خصوم فلسطين، وإنما جاء من بعض المحسوبين على دعمها، أو من بعض المنتسبين إلى التيار الإسلامي، الذين لم يناقشوا قيمة الرسالة، ولم يتوقفوا أمام دلالات المشهد، وإنما انصرفوا مباشرة إلى محاكمة النوايا.
فجأة أصبح حسام حسن “مأجورًا”، و”موجَّهًا”، و”لا يتحدث من تلقاء نفسه”، وكأن المشكلة لم تعد في مضمون الرسالة، وإنما في هوية من حملها. وكأن دعم فلسطين لم يعد قيمة في حد ذاته، بل أصبح مقبولًا أو مرفوضًا وفقًا لاسم صاحبه، لا وفقًا لما يقوله.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.
فالقضايا الكبرى لا تنتصر فقط بعدالة مضمونها، وإنما أيضًا بقدرتها على توسيع دائرة المؤيدين لها. وكلما نجحت في استقطاب شخصيات جديدة، أو كسبت مساحات إضافية في الرأي العام، اقتربت خطوة من تحقيق أهدافها. أما حين يتحول كل صوت جديد إلى متهم، وكل موقف إيجابي إلى مؤامرة، فإن القضية نفسها تصبح هي الخاسر الأكبر.
لقد اعتدنا، للأسف، على ثقافة تبحث عن النقص قبل أن ترى الإيجابيات، وتفتش عن العيوب قبل أن تستثمر الفرص. ثقافة لا تسأل: ماذا قدم هذا الموقف للقضية؟ بل تسأل أولًا: من الذي قاله؟ وإذا لم يعجبها الشخص، أهدرت الرسالة كلها.
وهذا ليس دفاعًا عن حسام حسن كشخص، ولا عن مواقفه السياسية، ولا عن تاريخه، فالرجل يصيب ويخطئ كغيره. لكن الدفاع هنا عن مبدأ أكثر أهمية: أن المواقف ينبغي أن تُقاس بأثرها، لا فقط بأسماء أصحابها.
فإذا أعلن فنان، أو لاعب، أو مدرب، أو إعلامي، أو مسؤول دعمه لفلسطين، فإن أول ما ينبغي أن نسأل عنه هو: هل يخدم هذا الموقف القضية؟ هل يوسع مساحة التعاطف معها؟ هل يذكر الناس بها؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فمن الحكمة البناء عليه، لا هدمه.
المؤسف أن بعض الخطابات أصبحت أسيرة لمنطق التخوين. لا يكاد أحد يتخذ موقفًا إيجابيًا حتى تبدأ محاكم التفتيش السياسية والأيديولوجية: من أملى عليه؟ ومن وجهه؟ ولماذا قالها الآن؟ وما المقابل الذي حصل عليه؟ وكأن الأصل في الناس الكذب، والاستثناء هو الصدق.
هذه العقلية لا تنتج إلا مزيدًا من الانغلاق. فهي لا تكسب أنصارًا، بل تخسرهم. ولا توسع دائرة المؤيدين، بل تضيقها. ولا تجعل القضية أكثر حضورًا، بل تجعل الاقتراب منها محفوفًا بالخوف من حملات التشكيك والتخوين.
والتاريخ يعلمنا أن القضايا العادلة لم تنتصر يومًا لأنها بقيت حكرًا على أصحابها، بل لأنها نجحت في كسب متعاطفين من خارج دوائرها التقليدية. وكلما اتسعت مساحة التأييد، زادت قوة القضية وتأثيرها.
أما أن يتحول كل من يعلن دعمه إلى متهم حتى يثبت العكس، فهذه وصفة مضمونة لعزل القضية عن المجتمع، وإبقاء المؤيدين لها داخل دائرة مغلقة، يتبادلون فيها الاتهامات أكثر مما يخاطبون العالم.
المفارقة أن البعض يظن أنه يدافع عن فلسطين، بينما هو – من حيث لا يشعر – ينفر الناس من الاقتراب منها. فليس كل من يختلف معك عدوًا، وليس كل من لا ينتمي إلى تيارك فاقدًا للمصداقية، وليس كل موقف إيجابي مؤامرة تستحق الهجوم.
إن القضايا العادلة تحتاج إلى من يضيف إليها مؤيدين، لا إلى من يخصم منهم. وتحتاج إلى من يفرح بكل صوت ينضم إليها، لا إلى من يفتش في نوايا كل صوت قبل أن يسمح له بالحديث.
قد نختلف مع الأشخاص، وهذا حق مشروع، لكن تحويل كل بادرة إيجابية إلى معركة جديدة، وكل رسالة دعم إلى مناسبة للتخوين، لا يخدم القضية الفلسطينية، ولا يربك إلا جمهورها، ولا يمنح خصومها إلا هدية مجانية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قضية عادلة ليس فقط هجوم خصومها، وإنما أن تتحول بعض الأصوات المحسوبة عليها إلى بوابة لطرد كل من يحاول الاقتراب منها.







