224 عربة مدمرة واتهامات دولية بالتطهير العرقي تفجر مشهد الحرب الصادم في السودان

تشهد الساحة السودانية في الوقت الراهن تصعيدًا عسكريًّا وحقوقيًّا غير مسبوق، حيث يتحرك المشهد الملتهب على مسارين متوازيين تشتعل فيهما الأحداث؛ المسار الأول ميداني يعلن فيه الجيش السوداني عن تحقيق مكاسب عسكرية برية واسعة وضخمة ضد قوات الدعم السريع، والمسار الثاني حقوقي دولي يتجسد في صدور تقرير أممي جديد وصادم من منظمة العفو الدولية يوجه أصابع الاتهام المباشرة إلى قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم وحشية ضد الإنسانية وأعمال تطهير عرقي ممنهجة خلال هجومها الضاري على مدينة الفاشر، وهو التطور العاصف الذي يعكس بوضوح مدى تعقيدات وتشابكات هذا الصراع الدامي المستمر منذ أكثر من 3 أعوام.
كشف حساب العمليات العسكرية وحصيلة الخسائر الميدانية
خرج الجيش السوداني، في بيان رسمي حاسم نشره اليوم الأربعاء، ليعلن للرأي العام عن الحصيلة الإجمالية الشاملة للعمليات العسكرية الواسعة التي نفذتها القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة والرديفة لها خلال الفترة الزمنية الممتدة من 15 يونيو 2026 وحتى تاريخ اليوم، حيث أكد البيان العسكري تنفيذ عمليات نوعية خاطفة في 5 ولايات سودانية كاملة، أسفرت عن إلحاق خسائر فادحة ومزلزلة في الأرواح والعتاد بصفوف قوات الدعم السريع.
وبناءً على ما ورد في البيان الرسمي الصادر عن المتحدث باسم الجيش السوداني، فقد نجحت القوات في تدمير نحو 224 عربة قتالية بالكامل، إلى جانب الاستيلاء والتحفظ على 36 عربة قتالية أخرى بحالة جيدة، وإسقاط طائرة مسيّرة متطورة تكنولوجيًّا، فضلاً عن تدمير دبابتين و5 شاحنات ضخمة كانت محملة بالعتاد العسكري والمؤن، و4 ناقلات وقود، بالإضافة إلى نسف وتدمير مخزنين كاملين للذخيرة ومستودعين كبيرين للمواد البترولية والوقود، وشدد بيان القوات المسلحة على أن العمليات العسكرية البرية والجوية ستتواصل بكل قوة ودون توقف حتى يتم استكمال بسط الأمن والاستقرار الشامل في مختلف أنحاء الدولة السودانية.
تقرير العفو الدولية يوثق الفظائع الإنسانية في الفاشر
على الجانب الحقوقي الدولي، وجهت منظمة العفو الدولية، الأربعاء، اتهامات جنائية مباشرة وصارمة إلى قوات الدعم السريع، مؤكدة ارتكابها جرائم ضد الإنسانية وأعمال تطهير عرقي واسعة النطاق خلال حملتها العسكرية العنيفة للسيطرة على مدينة الفاشر بين عامي 2024 و2025، وأوضح التقرير الحقوقي المفصل أن هذا التحقيق الدولي الدقيق استند بالكامل إلى مقابلات حية ومطولة أُجريت مع 247 شخصًا من الضحايا والشهود العيان في ولاية شمال دارفور خلال الفترة الممتدة من مطلع عام 2024 وحتى أكتوبر 2025.
“إن ما حدث في السودان يمثل وصمة عار مدوية في ضمير الإنسانية جمعاء” — أنييس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية
وأشار التقرير بدقة إلى أن قوات الدعم السريع شنت هجمات ممنهجة ومخططة استهدفت التجمعات السكانية والمدنية حول مدينة الفاشر، والتي كانت تؤوي وتضم أبناء قبيلة الزغاوة الإثنية في غرب دارفور، مؤكدًا وقوع أعمال عنف دموية واسعة النطاق ومتعمدة وموجهة ضد الأطفال الصغار، شملت عمليات القتل المباشر والاختطاف والتجنيد القسري في القتال والاغتصاب، كما وثق التقرير قيام مقاتلي الدعم السريع بإحراق وتفحيم منازل السكان عمدًا بعد فترة طويلة من فرارهم ونزوحهم منها، مما يؤكد وجود نية مبيتة لجعل هذه المناطق غير صالحة للسكن نهائيًّا، وهو ما يتطابق مع التوصيف القانوني لمفهوم التطهير العرقي.
تطرق التقرير كذلك إلى الهجوم الشرس الأخير الذي نفذته قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر خلال أكتوبر 2025، كاشفًا عن إعدام مئات الأشخاص ميدانيًّا، وتعرُّض آخرين لبشاعة التعذيب والاعتقال التعسفي أثناء محاولاتهم اليائسة للفرار، وأضافت المنظمة أن هذه الانتهاكات الجسيمة وقعت بصورة متكررة وعلى نطاق واسع للغاية، مما يرجح تمامًا أن المسؤولين والقادة الذين كانوا يشغلون مواقع السلطة والقرار كانوا على علم كامل بما يجري على الأرض، أو كان ينبغي عليهم علم ذلك، إلا أنهم تقاعسوا ولم يتخذوا أي إجراءات فعلية لوقف الفظائع أو محاسبة الضالعين فيها.
أبعاد حرب السودان المستعرة والتحركات الأممية
تأتي هذه الانتهاكات الصادمة في وقت يعيش فيه السودان على وقع حرب طاحنة ومستمرة منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وهي المواجهات المسلحة التي أسفرت، وفقًا لإحصائيات منظمة الأمم المتحدة، عن مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص الأبرياء وتشريد وموجات نزوح لملايين آخرين، وتواجه أطراف النزاع اتهامات دولية بارتكاب انتهاكات جسيمة، فيما خلصت بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق في السودان، خلال فبراير الماضي، إلى أن الهجوم الضاري الذي شهدته مدينة الفاشر عام 2025 يحمل بصمات وسمات جريمة الإبادة الجماعية.
وتزامن صدور تقرير منظمة العفو الدولية مع انعقاد جلسة طارئة واستثنائية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتي خُصصت بالكامل لمناقشة التطورات المتسارعة والأوضاع الإنسانية المتدهورة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، وسط تصاعد المخاوف الدولية والإقليمية الراهنة من هجوم عسكري وشيك وقاتل قد تشنه قوات الدعم السريع على المدينة في أي لحظة.






