إيران تشدد قبضتها الأمنية وتنتقل من قمع الاحتجاجات إلى تفكيك شبكات الدعم

تمر إيران بمرحلة استثنائية من إعادة ضبط معادلاتها الداخلية وفرض السيطرة الأحادية على المجال العام عقب موجة الاضطرابات الأخيرة التي ضربت عدداً من المدن والمحافظات. ورغم ظروف الحرب الراهنة والضغوط الخارجية المتصاعدة التي تواجهها البلاد، إلا أن السلطات الأمنية الإيرانية لم تتراجع، بل عمدت إلى تشديد قبضتها الأمنية بصورة غير مسبوقة. وتشير التقارير الحقوقية والإعلامية المتواترة إلى تحول جذري في استراتيجية الأجهزة الأمنية؛ إذ تجاوزت مرحلة تفريق التظاهرات وملاحقة المحتجين في الشوارع، لتنتقل إلى مرحلة تفكيك ما تسميه “شبكات الدعم”، مستهدفة كل من يُشتبه في تقديمه مساندة مباشرة أو غير مباشرة للحراك، في خطوة يراها مراقبون انتقالاً من إدارة الأزمة المؤقتة إلى إعادة صياغة الفضاء العام بالكامل تحت سقف أمني بالغ الصرامة.
وبحسب معطيات دقيقة أوردها تقرير موسع لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فإن هذه الحملة الموسعة تخطت النشطاء السياسيين والوجوه البارزة في المعارضة. وامتدت الملاحقات لتطال شرائح مهنية ونقابية واسعة شملت أطباء، ومحامين، وأكاديميين، وأصحاب أعمال، بالإضافة إلى مواطنين عاديين. وتأتي هذه الخطوات في إطار مقاربة أمنية جديدة تعتبر أي شكل من أشكال المساعدة الإنسانية أو المهنية للمحتجين جزءاً أصيلاً من النشاط المعارض الموجه ضد الدولة، ما يوسع دائرة التجريم بشكل غير مسبوق.
من قمع الشوارع إلى تفكيك شبكات الدعم الإنساني
تُظهر التطورات الميدانية الأخيرة أن المستهدف الأساسي للأجهزة الأمنية بات يتجاوز التجمعات الميدانية. وأصبح التركيز منصباً على عزل المحتجين وتجفيف منابع الدعم اللوجستي والمعنوي. ولم يعد الهدف الأمني مقتصراً على التوقيف المباشر أثناء الاحتجاج، بل امتد لفتح تحقيقات موسعة مع أفراد لم يشاركوا يوماً في الهتافات أو المسيرات، لكنهم قدموا خدمات مهنية أو إنسانية للمصابين، مثل توفير العلاج أو تقديم الاستشارات القانونية، أو الدعم الإعلامي والمالي. هذا التوجه يعكس اتساع مفهوم “المشاركة في الجريمة” من منظور المنظومة الأمنية الرسمية.
ومن بين أكثر الجوانب حساسية في هذه الحملة الممنهجة، استهداف العاملين في القطاع الصحي والطبي بشكل مباشر. حيث أفادت التقارير بتعرض عدد من الأطباء والممرضين للمساءلة القانونية الصارمة والتحقيق على خلفية تقديمهم الإسعافات وعلاج المصابين خارج القنوات والمستشفيات الحكومية الرسمية، أو بسبب عدم إبلاغهم الجهات الأمنية عن الحالات التي استقبلوها. هذا الأمر أدى إلى تفشي حالة عارمة من القلق والذعر داخل الوسط الطبي الإيراني، وبات الأطباء يخشون ممارسة مهامهم الإنسانية والمهنية التي يمليها عليهم القسم الطبي. وتأتي هذه المخاوف بعد لجوء الكثير من المصابين إلى عيادات خاصة أو أطباء يعملون بشكل سري غير معلن خوفاً من الاعتقال الفوري داخل المستشفيات العامة. ويحذر الخبراء من أن هذا المناخ المتوتر قد يخلق فجوة عميقة بين المرضى والمؤسسات الصحية الرسمية، ويدفع نحو زيادة رقعة العمل الطبي غير المنظم.
خنق اقتصادي وتكنولوجيا الرقابة الرقمية
لا تتوقف الإجراءات الحكومية عند حدود الاعتقال والتحقيق الأمني، بل وظفت السلطات أدوات اقتصادية حادة كوسيلة للضغط والردع الشامل. وتم تسجيل عشرات الحالات لإغلاق ومصادرة وتقييد نشاط مؤسسات تجارية وشركات خاصة يُشتبه في ارتباط أصحابها بدعم المحتجين أو الاستجابة لدعوات الإضراب العام. وتهدف هذه السياسة إلى توسيع رقعة الترهيب لتصل إلى البعد المعيشي اليومي، بحيث تصبح تكلفة المعارضة أو التعاطف معها مهددة لمصدر رزق الأفراد والشركات وقوت عائلاتهم.
بالتوازي مع العقوبات الاقتصادية، تعتمد السلطات بشكل متزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والأدوات التكنولوجية المتطورة لتعقب وتحديد الهويات. ويشمل ذلك تحليل مقاطع الفيديو والصور المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، واستخدام كاميرات المراقبة الحضرية في الشوارع، وتتبع النشاط الرقمي بدقة. كما تلعب البلاغات الفردية والتقارير السرية دوراً مكملاً تعتمد عليه الأجهزة الأمنية لرصد الأشخاص حتى بعد انقضاء موجات التظاهر بفترات طويلة.
مناخ الخوف العام ومستقبل الاحتقان
أفرزت هذه السياسات الصارمة مناخاً عاماً يسوده الحذر الشديد والخوف المتنامي داخل المجتمع الإيراني، حيث بات المواطنون يتجنبون أي نقاش سياسي أو تعبير شخصي حتى داخل الدوائر العائلية المغلقة خشية الملاحقة. وفي المقابل، تتمسك السلطات الإيرانية بروايتها الرسمية المؤكدة على أن الإجراءات تستهدف “العناصر التخريبية” والجهات المرتبطة بأجندات خارجية، مشددة على أن التدخل الأمني كان ضرورياً لحماية الأمن القومي ومنع انزلاق البلاد نحو الفوضى في ظل التحديات الخارجية المتنامية. بينما تعرب المنظمات الحقوقية عن قلقها البالغ من أن يؤدي هذا النهج الردعي الشامل إلى تعميق حالة الاحتقان المجتمعي وتأجيل انفجار التوترات إلى مستقبلاً غير معلوم، دون معالجة الجذور الحقيقية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية.







