السودانملفات وتقارير

الأبيض تقاوم سيناريو الفاشر الدامي والجيش السوداني يحشد 100 كيلومتر لتأمين المدينة

تواجه مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، منعطفاً تاريخياً خطيراً في ظل حصار عسكري خانق وقصف جوي مكثف بالطائرات المسيرة تشنه قوات الدعم السريع. وتتزايد المخاوف الإقليمية والدولية من تكرار المآسي الإنسانية والفظائع التي شهدتها مدينة الفاشر في 26 أكتوبر 2025 بعد حصار استمر 18 شهراً، وأسفر عن سقوط أكثر من 6000 قتيل في الأيام 3 الأولى فقط من الاجتياح. ورغم إطلاق حكومة “تأسيس” الموازية التابعة للدعم السريع إنذارات متكررة لإخلاء المدينة وتعهدها بفتح ممرات آمنة، إلا أن سكان الأبيض يرفضون المغادرة ويخوضون معركة وجودية للبقاء والتصدي للتهجير القسري.

وتتهم المنظمات الحقوقية والدولية قوات الدعم السريع بالتعمد في محاصرة نصف مليون مدني داخل المدينة، بالإضافة إلى 105 آلاف نازح. وتشير التقارير إلى استهداف متعمد للبنية التحتية ومحطات المياه والكهرباء عبر سلاح المسيرات، فضلاً عن اعتراض شاحنات الغذاء والوقود في ولايتي شمال كردفان والنيل الأبيض منذ أكثر من 3 أسابيع لإجبار المدينة على الانهيار الإنساني. ونتيجة لتلك الممارسات، تفاقمت الأزمات المعيشية حيث وصل سعر برميل مياه الشرب في الحي الغربي إلى نحو 25 ألف جنيه، ما يعادل 5 دولارات أميركية في السوق الموازية.

ميدانياً، تؤكد المصادر العسكرية قيام قيادة الفرقة الخامسة للجيش بعمليات تمشيط برية واسعة لتوسيع المسافات التأمينية وخلق منطقة عازلة تصل إلى مئات الكيلومترات لحماية المدينة. ويساند الطيران الحربي السوداني القوات البرية لتأمين محيط الأبيض وتشتيت تعزيزات الدعم السريع المستمرة بالتركيز على الجبهة الغربية. ويرى الخبراء الأمنيون أن جغرافيا الأبيض تختلف عن الفاشر، إذ تتميز بانفتاحها اللوجيستي وقربها من القواعد الجوية العسكرية، مما يجعل إحكام الحصار الكامل عليها أمراً شديد الصعوبة ويحول المواجهات إلى حرب استنزاف طويلة.

إنسانياً وقانونياً، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، خلال جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف في يوليو 2026، من كارثة حقوقية تتكشف بالأبيض جراء مقتل وإصابة عشرات المدنيين بالمسيرات. كما كشف تقرير لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة “ييل” عبر صور الأقمار الاصطناعية الملتقطة بين 25 مايو و25 يونيو الماضي، عن توسع مخيمات الإيواء بنحو 700 مبنى مؤقت جديد لاستيعاب تدفقات الفارين من المعارك. ويجرم القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف حرمان المدنيين من الاحتياجات الأساسية كالماء والغذاء، ويعتبر دعوات الإخلاء القسرية تحت تهديد السلاح نوعاً من التهجير القسري غير القانوني.

وعلى المستوى المحلي، تسعى السلطات الولائية ومجلس وزراء شمال كردفان لضمان استمرار العمل بالمرافق عبر استخدام ألواح الطاقة الشمسية وتسيير عربات نقل المياه وتأمين قوافل السلع الأساسية بالأطواف العسكرية. وأكدت الفعاليات الأهلية والقيادات الناشطة بالمدينة أن تجربة الفاشر السابقة أثبتت زيف وعود “الممرات الآمنة” التي تحولت آنذاك إلى مصيدة للقتل والابتزاز واختطاف المدنيين، مما يشكل دافعاً أساسياً لإصرار سكان الأبيض على الصمود ودعم الأجهزة الأمنية لحماية المدينة التي تمثل نقطة الارتكاز الاستراتيجية لخطوط الإمداد الرابطة بين وسط السودان وإقليم دارفور وكردفان.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى