فلسطينملفات وتقارير

تفاصيل الموجة 3 لتهجير سكان رفح والشيخ زويد قرب حدود غزة

تواجه مئات العائلات في شمال سيناء موجة تهجير ثالثة قسرية من أراضيهم ومزارعهم بأوامر عسكرية مباشرة، لتعيد إلى الأذهان مسلسل المعاناة المستمر منذ عام 2014. ورغم الوعود الرسمية وتصريحات محافظ شمال سيناء اللواء خالد مجاور التي شجعت الأهالي على العودة إلى قراهم المحاذية لقطاع غزة، تفاجأ السكان بإجراءات عسكرية صارمة تجبرهم على الرحيل النهائي دون إعلان رسمي أو غطاء إعلامي يوضح مصيرهم المجهول.

تفاصيل الإخلاء القسري في قريتي الخرافين والمقاطعة

أفادت شهادات موثقة من أبناء المنطقة بصدور تعليمات شفهية حاسمة من قوات معسكر “الزهور” التابع للجيش الثاني الميداني، تقضي بالإخلاء التام لقرى “الخرافين”، و”المقاطعة”، و”أبو كبريت”، والتجمعات البدوية المحيطة بها في نطاق مدينتي رفح والشيخ زويد. وتتزامن هذه الأوامر مع حملات ميدانية شملت هدم العشش والبيوت المؤقتة، وتفكيك ألواح الطاقة الشمسية التي أنفق عليها الأهالي مدخراتهم لتشغيل آبار ري المزارع، وسط تهديدات مباشرة بالاعتقال والمحاكمة العسكرية لكل من يرفض المغادرة الفورية.

الخديعة الكبرى: سماح بالعودة ثم طرد نهائي

أكد البرلماني السيناوي السابق يحيى عقيل أن الجهات التنفيذية سمحت للأهالي أولاً بالعودة لتفقد أراضيهم وزراعتها، مما دفعهم لبناء عشش مؤقتة وتأهيل المزارع وضخ أموالهم لإعادة الحياة إليها. لكن الأوامر عاجلتهم بالمنع الشديد، وصدر القرار النهائي بالطرد الكامل بعبارة حاسمة: “برة الأرض لا ترجعوا إلى هنا مجدداً”، مما تسبب في خسائر اقتصادية فادحة وحالة حزن عميقة بين أبناء قبيلتي الرميلات والسواركة. وأشار عقيل إلى أن النظام يلتزم بتفريغ هذه المنطقة الحدودية لتبقى خالية تماماً من السكان إرضاءً لاتفاقات أمنية مبرمة مع الاحتلال الإسرائيلي.

إدانة حقوقية واختراق صريح للدستور

في 23 يونيو الماضي، أصدرت 8 منظمات حقوقية، من بينها “مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان”، بياناً نددت فيه بممارسات الجيش لإجبار السكان على النزوح القسري عبر الترهيب والإكراه. وتتناقض هذه الإجراءات مع المادة 63 من الدستور المصري التي تحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع أشكاله وتعتبره جريمة.

وتعيد هذه الأحداث للأذهان ما حدث في أغسطس 2023، عندما نظم المهجرون اعتصاماً سلمياً للمطالبة بحق العودة، فواجهه الجيش بالقوة واعتقل العشرات وأحيلوا للمحاكمة العسكرية في القضية رقم 80 لسنة 2023، والتي لا يزال العديد منهم محتجزين رغم العفو عن 54 شخصاً نهاية عام 2024. كما لم يتم تنفيذ وعد قائد الجيش الثاني اللواء محمد ربيع للشيوخ بالعودة، والموثق في 20 أكتوبر 2023.

تاريخ المنطقة العازلة وتدمير رفح بالكامل

بدأت المأساة الفعلية في أكتوبر 2014 حين باشر الجيش عمليات إخلاء وهدم لآلاف المنازل لإنشاء منطقة عازلة بدأت بعمق 300 متر وتوسعت لتصل إلى 5 كيلومترات وبعمق 13 كيلومتراً على طول الحدود مع قطاع غزة، مسببة محو مدينة رفح المصرية بالكامل. ووفقاً لتقارير “هيومن رايتس ووتش” في سبتمبر 2015، طال الهدم 3225 مبنى سكني وتجاري، وتجريف 685 هكتاراً من الأراضي، وتشريد 3200 عائلة من قبائل الرميلات والسواركة والترابين.

مدن مليونية غامضة خلف أسوار عالية

تثير السياسات الحالية مخاوف حقيقية من خطط دولية لتوطين الفلسطينيين، ارتباطاً بمشروع “صفقة القرن” وتصريحات دونالد ترامب خلال حرب الإبادة بين عامي 2023 و2025. حيث شيدت شركات الجيش مدناً جديدة محاطة بأسوار خرسانية مرتفعة؛ إذ كشفت وثائق في 17 يناير 2023 عن جدار عازل بطول 12 كيلومتراً وارتفاع 6 أمتار يفصل رفح الجديدة عن الشيخ زويد، وجدار آخر بطول 38 كيلومتراً يفصلها عن مدينة العريش.

وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد أعلن في أبريل 2025 عن إنشاء وتطوير 7 مدن جديدة لاستيعاب 5 ملايين نسمة، تشمل بئر العبد ورفح والشيخ زويد، وتنفيذ 110 آلاف وحدة سكنية والمرحلة الأولى لأربعة تجمعات بدوية. وتبلغ تكلفة رفح الجديدة مليارين و330 مليون جنيه بمساحة 2 مليون متر مربع وتضم 626 عمارة بإجمالي 10 آلاف وحدة و400 بيت بدوي ومناطق صناعية. ويطرح هذا التوسع تساؤلات كبرى؛ لأن إجمالي سكان شمال سيناء يبلغ 476.6 ألف نسمة، وجنوب سيناء 119.8 ألف نسمة، بما لا يتجاوز 600 ألف نسمة وفق الجهاز المركزي للمحاسبات في فبراير الماضي، مما يؤكد التناقض الصارخ.

تعكس هذه التطورات المتلاحقة عمق المأساة الإنسانية التي يعيشها أهالي سيناء بين مطرقة القرارات الأمنية الصارمة وسندان المخططات الإقليمية الغامضة. إن تكرار عمليات الإخلاء للمرة الثالثة على التوالي يضع حياة آلاف الأسر في مهب الريح، ويزيد من تعقيد المشهد الاجتماعي والاقتصادي في شبه الجزيرة التي طالما دفع سكانها أثماناً باهظة بذريعة الحفاظ على الأمن القومي دون مراعاة لأبسط حقوقهم الدستورية المشروعة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى