زي النهارده في 5 يوليو.. قصة 132 عاما من الاحتلال الفرنسي للجزائر

تحل اليوم ذكرى استثنائية في تاريخ الأمة العربية، تجمع بين مرارة البداية وفرحة الانتصار؛ إنه يوم 5 يوليو، التاريخ الذي شهد احتلال فرنسا للجزائر عام 1830، وهو نفسه اليوم الذي شهد استقلالها المجيد عام 1962 بعد كفاح مرير دام 132 عاماً. في مثل هذا اليوم، انطوت صفحة طويلة من الاستعمار الاستيطاني الذي حاول طمس الهوية الجزائرية، لتبزغ شمس الحرية بدماء الشهداء. تبدأ القصة المفجعة للغدر الفرنسي مع نهاية القرن 18، حين تعرضت فرنسا لحصار أوروبي خانق بعد نجاح ثورتها عام 1789 وسقوط أسرة بوربون وإعدام الملك لويس 16. في تلك الأوقات العصيبة، لم تجد فرنسا يداً تمتد لإنقاذها سوى الجزائر، التي قامت بإعطائها ديناً ضخماً مقداره 24 مليون فرنك فرنسي.
حادثة المروحة والذريعة الفرنسية
لكن الرد الفرنسي على هذا الجميل جاء محملاً بالخيانة والتآمر. فبعد عقود، فشلت الثورة الفرنسية وعادت أسرة بوربون للحكم، وفي عهد الملك الفرنسي شارل 10 شقيق لويس 16، بدأ الاحتلال يبحث عن أية ذريعة. واستغل حادثة قيام حاكم الجزائر الداي حسين بضرب القنصل الفرنسي بالمروحة بعد مطالبته فرنسا بسداد الدين المستحق، فأعلن شارل 10 الحرب على الجزائر وتم احتلالها في 5 يوليو 1830.
مقاومة أحمد باي.. أسد الشرق
لم يستسلم الجزائريون، وكان الباي أحمد أول من رفع راية الجهاد. ولد في قسنطينة عام 1786، وأصبح حاكم قسنطينة والشرق عام 1826. بعد الاحتلال، بقي محافظاً على الشرق الجزائري من التوغل الفرنسي، ومقاوماً بطلاً من عام 1830 إلى أن سقطت قسنطينة في عام 1837. ثم انتقل للجبال والصحاري فكان الأسد الذي أذل الفرنسيين إلى أن حوصر في حصن بين بسكرة وجبال الأوراس فاستسلم في عام 1848 ليوضع في الإقامة الجبرية حتى مات مسموماً في عام 1850.
الأمير عبد القادر.. مؤسس الدولة ومحطم الجيوش
ثم برز الأمير عبد القادر الجزائري، المولود في القيطنة بولاية معسكر عام 1808. هو ثاني من حمل راية الجهاد وأشهر أبطال الجزائر، بدأ المقاومة عام 1832، وهو مؤسس دولة الجزائر الحديثة بعدما حرر ثلثي البلاد عام 1834. قتل الأمير 97000 فرنسي خلال 116 معركة خاضها ضدهم، ومن معاركه: معركة المقطع، ومعركة بودواو، ومعركة عمال، ومعركة متيجة، ومعركة وادي العلايق، ومعركة بني مراد، ومعركة الزمالة، ومعركة تادمايت، ومعركة دلس، ومعركة تيزي وزو، وحملة آيث إيراثن، ومعركة بني جعد، ومعركة يسر، ومعركة مازغران، ومعركة سيدي براهم، ومعركة واد أسلاف. وبقي مقاوماً إلى أن تعرض لحصار محكم فاستسلم عام 1847، لينتهي به المطاف منفياً في دمشق حتى مات بها عام 1883.
مصالي الحاج والوعي السياسي الجزائري
أما النضال السياسي فقاده مصالي الحاج، الرجل العصامي الذي بدأ من الصفر. ولد في حي الرحيبة بتلمسان في 16 مايو 1898، من عائلة بسيطة تمتهن الحرف والفلاحة. ورغم ظروفه، استطاع الوصول للزعامة. بدأ نضاله في عشرينيات القرن 20 حينما تواصل مع الحزب الشيوعي الفرنسي والنقابات، وأسس حزب نجم شمال إفريقيا الذي تحول إلى حزب الشعب الجزائري.
الثورة الكبرى وبزوغ فجر الحرية
هذه الحركة الوطنية الصلبة مهدت الطريق لاندلاع الثورة الجزائرية العظيمة التي قهرت الجيش الفرنسي. لم تكن فرنسا تتوقع أن البلد الذي ساندها سابقاً سيكون مقبرة لجنودها. إن التاريخ يعيد كتابة نفسه اليوم ليذكرنا بأن المحتل مهما طال بقاؤه فإن مصيره الزوال. لقد حاولت باريس مسح الهوية العربية وفرض الفرنسة، لكن صمود الشرق بقيادة أحمد باي، وبسالة الغرب بقيادة الأمير عبد القادر، والوعي السياسي الذي نشره مصالي الحاج، شكلوا جداراً منيعاً أمام المخططات الاستعمارية. لقد دفع الشعب الجزائري ثمناً باهظاً من دماء أبنائه المليون والنصف مليون شهيد لينال حريته. وجاء يوم 5 يوليو 1962 ليشهد العالم على اندحار القوات الفرنسية وخروجها مدحورة من أرض الجزائر. إن التطابق الزمني بين تاريخ الغزو وتاريخ التحرير يحمل رسالة عميقة لكل الشعوب المظلومة، مفادها أن الحق ينتصر في النهاية. اليوم ونحن نسترجع هذه الذكرى، نؤكد أن تاريخ الجزائر يظل ملهماً لكل من يبحث عن الكرامة. فالجزائر التي أنقذت فرنسا من الجوع، عوقبت بالغدر، ولكنها ثارت وانتصرت. تظل بطولات أحمد باي في الشرق، ومعارك الأمير عبد القادر الخالصة، وتأسيس مصالي الحاج لحزب الشعب، حلقات متصلة أدت في النهاية إلى انفجار ثورة أول نوفمبر التي اقتلعت الوجود الاستعماري. وفي مثل هذا اليوم، نرفع التحية لأرواح الشهداء الذين صنعوا هذا النصر. إن هذا التقرير يوثق المراحل التاريخية التي مرت بها الجزائر من أجل الوصول إلى يوم الخلاص. وستبقى دماء الشهداء شاهدة على تلك الحقبة. إن ذكرى 5 يوليو تثبت أن إرادة الشعوب أقوى من كل الجيوش، وأن الحرية تؤخذ ولا تعطى مهما طال زمن الاحتلال البغيض.







