من ذاكرة التاريخ.. أحمد الكأس جوهرة الإسكندرية الأسمر وصانع أفراح الفراعنة في المونديال

تزخر ذاكرة التاريخ الرياضي المصري بسير ومسيرات لنجوم حفروا أسماءهم بحروف من نور في قلوب الجماهير وعقولهم، ولم يكن أولئك النجوم مجرد لاعبي كرة قدم ركلوا الساحرة المستديرة في الملاعب، بل تحولوا إلى رموز وأيقونات تتوارث الأجيال حكاياتهم الإعجازية. ومن بين هذه الأساطير الخالدة التي تستدعيها الذاكرة دائمًا، يبرز اسم نجم النجوم وكابتن مصر، “الجوهرة السمراء” أحمد عبد العزيز الكأس، الشهير بـ “أحمد الكأس”، الذي يُعد واحدًا من أذكى وأبرع صانعي الألعاب والمهاجمين في تاريخ الكرة الأفريقية والمصرية عبر كل العصور والمراحل الزمنية.
النشأة في محرم بك والجذور النوبية الأصيلة
بدأت حكاية هذا النجم الاستثنائي في 8 يوليو 1965، حيث ولد في حي محرم بك العريق بمحافظة الإسكندرية، لأصول تعود إلى بلاد النوبة الطيبة بـ جنوب مصر، ليجمع في صفاته وتكوينه بين سحر الإسكندرية وعراقة النوبة. ظهرت موهبته الفذة منذ نعومة أظافره في شوارع عروس البحر الأبيض المتوسط، مما دفعه للالتحاق بقطاع الناشئين في النادي الأولمبي السكندري، وهناك بدأت صياغة موهبته الكروية الفريدة، حيث تدرج في الفئات السنية المختلفة بسرعة الصاروخ، بفضل مهاراته الفردية العالية ورؤيته الثاقبة داخل المستطيل الأخضر، وظل متمسكًا بقميص الأولمبي لفترات طويلة حتى أصبح النجم الأول للفريق السكندري العريق بدون منازع.
اقتحام نادي المائة ومحطة الزمالك المضيئة
لم تكن مسيرة أحمد الكأس مع النادي الأولمبي عادية، بل قاد الفريق لتقديم عروض كروية مبهرة أمام عمالقة الدوري المصري، وتوج مجهوداته التاريخية باقتحام “نادي المائة” في الدوري المصري الممتاز، وهو إنجاز لا يحققه إلا هدافو طراز رفيع جدا؛ حيث سجل الكأس أكثر من 107 أهداف في مسيرته بالدوري المحلي، وهو رقم قياسي مذهل للاعب لا يشغل مركز المهاجم الصريح الصرف دائمًا. هذا التألق الأسطوري لفت أنظار مسئولي نادي الزمالك، الذين دخلوا في مفاوضات مكثفة ليرتدي القميص الأبيض، وفي مدرسة الفن والهندسة سطر الكأس تاريخًا جديدًا، وقاد الزمالك لمنصات التتويج، وأحرز 5 أهداف حاسمة مع الفراعنة البيض خلال المشاركات الأفريقية المختلفة، ليثبت كفاءته الفنية العالية على الصعيد القاري، قبل أن يختتم مشواره الملاعب بالانتقال لنادي الاتحاد السكندري زعيم الثغر.
صانع ملحمة الصعود إلى مونديال إيطاليا 1990
تظل المحطة الأبرز والأكثر خلودًا في مسيرة الجوهرة السمراء هي مشاركته مع المنتخب الوطني المصري في بطولة كأس العالم بإيطاليا عام 1990 تحت قيادة الجنرال الراحل محمود الجوهري. ولم يكن وصول مصر إلى المحفل العالمي أمرًا سهلاً، بل جاء بعد موقعة تاريخية أمام منتخب الجزائر في نوفمبر من عام 1989 بملعب القاهرة الدولي وسط حضور جماهيري مرعب، وفي تلك المباراة سجل حسام حسن هدف التأهل الغالي، ولكن الصانع الحقيقي لهذا الهدف والمهندس الذي صاغ الفرحة المصرية كان أحمد الكأس؛ حيث قدم “أسيست” عبقريًا حريرًا وضعه حسام حسن برأسه في الشباك الجزائرية، لتظل تلك التمريرة محفورة في وجدان الكرة المصرية كواحدة من أهم التمريرات الحاسمة في تاريخ الرياضة بـ مصر.
من عبقرية الملاعب إلى مقاعد الإدارة الفنية للناشئين
بعد رحلة عطاء طويلة وممتدة، قرر كابتن أحمد الكأس اعتزال كرة القدم كلاعب، متفرغًا لنقل خبراته العريضة إلى الأجيال الجديدة عبر عالم التدريب، ولم يتخلَّ عن نجاحاته المعهودة في مجاله الجديد؛ حيث يتولى حاليًا منصب المدير الفني لمنتخب مصر للناشئين. ونجح الكأس مع معاونيه في تقديم شغل فني ممتاز وأداء تكتيكي عالٍ نال إشادة الجميع، وتوج هذا العمل الشاق بالتربع على عرش منصات التتويج والحصول على بطولة شمال أفريقيا للناشئين بجدارة واستحقاق، لتتعلق آمال الجماهير المصرية به في قيادة هؤلاء الفراعنة الصغار نحو الصعود للمونديال مجددًا كمدرب، ليعيد كتابة التاريخ الذي صنعه بأقدامه الذهبية كلاعب إسكندراني يفتخر به كل عشاق ومتابعي الكرة المصرية.







