حدث في مثل هذا اليومذاكرة التاريخمصرملفات وتقارير

«من ذاكرة التاريخ».. رحيل شيخ العروبة أحمد زكي باشا عبقري بولاق ومخترع علامات الترقيم العربية

في 5 يوليو 1934، فقدت الثقافة العربية رمزا من ألمع عقولها الموسوعية، وهو العالم الجليل أحمد زكي باشا، الذي غيبه الموت إثر نزلة برد حادة، لينتهي عمر حافل بالعطاء بدأ في الإسكندرية عام 1867. هذا الرجل الذي استحق لقب «شيخ العروبة» عن جدارة، لم يكن مجرد موظف تقليدي في أروقة الحكومة، بل كان ثورة تصحيحية تمشي على قدمين، نجحت في إنقاذ لغة الضاد من العشوائية البصرية والتأخر الطباعي، ليترك بصمة أبدية في كل كتاب وصحيفة نقرأها اليوم.

بدأت رحلة أحمد زكي بن إبراهيم بن عبد الله النجار التعليمية في القاهرة، وتوجها بالتخرج في مدرسة الحقوق سنة 1887. ولم يقف طموحه عند حدود القانون، بل تعمق في دراسة فن الترجمة، فأجاد اللغة الفرنسية إجادة تامة تفوق فيها على أبنائها، إلى جانب تمكنه الواسع من اللغات الإنجليزية، والإيطالية، واللاتينية. هذه الحصيلة اللغوية الهائلة أهلت شيخ العروبة للعمل مترجما بمجلس الوزراء، بل وترؤسه لجامعة القاهرة في فترات لاحقة، فضلا عن تمثيله المشرف لمصر في مؤتمرات المستشرقين الدولية، حيث كان يبارز علماء الغرب بحججه وثقافته الواسعة.

إن الإنجاز الأكبر الذي يطوق عنق كل ناطق بالعربية للباشا، هو إدخال علامات الترقيم إلى لغة الضاد. فقبل أحمد زكي باشا، كانت النصوص العربية تكتب ككتلة واحدة متصلة دون فواصل أو محطات توقف، مما كان يتسبب في خلط المفاهيم التعبيرية وصعوبة الفهم. قام الباشا بنقل علامات الترقيم بلفظها ورسمها، ووضع أسسها وقواعدها بدقة فائقة لتشمل: الفاصلة، والفاصلة المنقوطة، والنقطة، وعلامة الاستفهام، وعلامة الانفعال أو التعجب، والنقطتين، ونقط الحذف والاختصار، والشرطة، والتضبيب، والقوسين. هذا النظام البديع منح النص العربي مرونة ودقة غير مسبوقة.

ولم تتوقف عبقرية أحمد زكي باشا عند الصياغة اللغوية، بل امتدت لتحدث ثورة تكنولوجية في عالم النشر والطباعة بمصر. ففي تلك الحقبة، كانت مطبعة بولاق العريقة تعاني من تعقيد حروف الطباعة العربية التي بلغت 905 شكلا، مما كان يبطئ حركة الإنتاج الثقافي ويصعب مهمة عمال الجمع. أخذ الباشا على عاتقه مهمة شاقة، وقام بنفسه بعمل تجارب يومية داخل مطبعة بولاق استغرقت 3 أشهر متواصلة من الجهد المضني، ونجح في اختصار تلك الحروف من 905 شكلا إلى 132 شكلا و 46 علامة فقط، وهو ما أحدث طفرة كبرى في سرعة انتشار الكتب والجرائد وسهل عمليات القراءة للعامة والخاصة.

ولأن طموحه كان بلا حدود، تقدم أحمد زكي باشا بمشروع تاريخي لإحياء الأدب العربي إلى مجلس الوزراء. ونظرا لأهمية المقترح، أقره المجلس في جلسته الرسمية التي ترأسها الخديوي عباس حلمي شخصيا، واعتمد مجلس الوزراء ميزانية ضخمة لهذا المشروع بلغت 9392 جنيها، وهو مبلغ هائل بمقاييس ذلك الزمان. وبفضل هذا الدعم الحكومي، تمت طباعة العديد من أمهات الكتب، وتحقيق ونقل مخطوطات التراث العربي النفيسة لحمايتها من الضياع، ليصبح الباشا بذلك أول من استخدم مصطلح «تحقيق» على أغلفة الكتب العربية في التاريخ المعاصر.

شغف شيخ العروبة بالكتاب لم يكن مجرد وظيفة، بل كان عقيدة شخصية؛ إذ قام بتكوين مكتبة علمية ضخمة وفريدة من نوعها بجهده الذاتي ومن ماله الخاص. وقد ساعدته في تحقيق هذا الحلم وظيفته المرموقة في الحكومة، ورحلاته المتعددة إلى عواصم العالم، حيث كان يبذل الغالي والنفيس للحصول على أندر الكتب والمخطوطات. حتى أصبحت مكتبته واحدة من أكبر المجموعات الثقافية في المشرق الإسلامي بأكمله، ومقصدا للباحثين والمؤرخين من كل حدب وصوب. إن ذكرى وفاة هذا العبقري في 5 يوليو هي مناسبة لاستحضار إرث رجل صاغ هوية الكتابة العربية الحديثة وحفظ تراث أمة بأكملها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى